أولادكم خلقوا لغير زمانكم

كبرنا كما كبر آباءنا وكما سيكبر أبناؤنا على قواعد وأحكام كتاب مقدس ألفته الأجيال السابقة وورثناه رغما عنا، وسواء آمنا بها أم لا فإننا مجبرون على الالتزام بها وإجبار أبنائنا وأحفادنا على احترامها وجعلها الرقيب الحسيب عن كل تحركاتنا،
أفعالنا وأقوالنا. وعلى الرغم من أن العديد من هذه التشريعات لم ولن تنفع، بل قد
تكون أحيانا العقبة الرئيسية أمام تحقيق التقدم في مناحي الحياة المختلفة، إلا
أننا نخفي هذه الحقيقة ونقنع ذواتنا وأبناءنا بالعظمة الكامنة وراء التمسك بالآية
المقدسة : “هكذا تربينا”.
لا
تناقش والدك مهما كان مخطئا، ما الذي تفهمه أنت في الموضة حتى ترتدي ما تشاء، أنا
من يختار ويقرر ما يناسبك فهكذا علمنا آباؤنا، لا تنطق حرفا أمام الناس فتلك
وقاحة، تعلمي أشغال البيت والمطبخ وإلا لن يقبل بك أي عريس، إبداعاتك التافهة تلك
لن تنفعك بشيء، عليك أن تدرس بجد حتى تضمن مقعدا في الجامعة وإلا فستحظى بمنصب
عامل نظافة، لا تتأخري عن البيت وإلا نعتك الجيران بالمنحرفة، ثم إنه غير مسموح أن
تسافري وحدك ولو ليوم واحد، لا تحسب نفسك لا زلت طفلا فابن الجيران يقارب عمرك ومع
ذلك يشتغل ويستطيع سد احتياجاته واحتياجات عائلته… عبارات وأخرى تقع على مسامعنا
يوميا دون أن نبدي لها اهتماما، أو أننا نتجاهلها عمدا حتى لا نخرق تلك المعاهدة
التي وقعناها مع أنفسنا ومع الأجيال السابقة واللاحقة، أقوال كاذبة لا أساس لها من
الصحة، وأخرى محبطة تقتل إبداع الطفل وثقته بنفسه كما تستعجل مراحل حياته، أما
بعضها الآخر فهو يتمحور حول آية مقدسة أخرى :” كيف سينظر إلينا
الآخرين”.
إن
ما يعتقده الآباء هو أن الطفل مثله مثل العجين باستطاعتهم التحكم في قوامه وإضافة
أحد المكونات وحذف أخرى، تشكيله بالطريقة التي يريدون ثم طهيه على درجة الحرارة
التي تناسبهم، لكن الوضع يختلف تماما عندما نتحدث عن تربية طفل. هذا الأخير، عندما
يصل إلى سن معينة يبدأ بالتمييز بين ما يريده حقا وما يمليه عليه الآخرون بما فيهم
والداه، فإذا تعارضت احتياجاته ورغباته مع ما يحصل عليه، وخصوصا إذا كان يتلقى
الأوامر فقط ولا يسمح له حتى بعرض أفكاره وإبداء وجهة نظره، فإنه بلا شك سيصبح
ثائرا جامحا لا يمكن لجمه أبدا، أو أنه سيكبر منهارا ضعيف الشخصية لا يقدر على
مواجهة صعوبات الحياة البسيطة التي تواجهه كطفل، وبالتالي يصبح عاجزا عن تحمل
مسؤولياته في المستقبل، وفي كلتا الحالتين تبقى النتيجة واحدة، فذلك الطفل الوديع
الذي طالما كان تحت أنظار الوالدين ورعايتهما وحمايتهما سيصبح شخصا مختلفا وغريبا
عنهما كما لم يعرفاه من قبل، وقتها يجد الآباء أنفسهم داخل جحر الصدمات المتتالية.
أولها كيف استطاع ذلك الطفل أن يتخذ من المخدرات والإجرام والسرقة والجنس أسلوبا
لحياته، مع العلم أنه كان مراقبا دوما وأن جيناته الأخلاقية طاهرة تتسم بالالتزام
والتحفظ. وثانيها بعد أن يكتشفوا أنهم كانوا رفقاء السوء الحقيقيين المتسببين في
كل ما آلت إليه الأمور، وهو ما سيفقدهم الثقة في كونهم آباء أكفاء، كما سيفقدون
الثقة ببعض ومن تم تبدأ المعركة الفاشلة في إثبات كل واحد منهما أن الآخر هو
الملام الوحيد، والصدمة الأكبر أنهما لن يجدا الطريقة الجديدة المناسبة للتعامل مع
ذلك الطفل، فكل الطرق تؤدي إلى أبواب مقفلة و حلول شبه مستحيلة، حينها فقط يمكن أن
نقول أن الآباء ومعتقداتهم البالية هم الوحيدون القادرون على إحداث الفوضى بحياة
الطفل.
إن
الطفل الذي فتح عينيه منذ الوهلة الأولى فوجد عالما تتحقق أمانيه بكبسة زر على
لوحة معدنية، يستيقظ كل صباح قبل عشر دقائق من موعد دوامه فيسير بضع سنتيمترات من
باب المنزل نحو حافلة النقل المدرسي، لا يهتم بواجباته المنزلية ولا ببحوثه لأنه
يستطيع حلها من خلال إدخال كلمتين في محرك البحث ليجد أمامه الآلاف من الخيارات
المختلفة، طفل يستطيع التواصل مع حذائه المنير في الظلام، ومع شريط إلكتروني يلفه
حول معصمه أو مع نظاراته التي تخفي في الفراغ عجائب وغرائب رغم أنها تبدو عادية،
هذا الطفل قد يستغرب من مغامرات والديه وقد يعتبرهما أبطالا خارقين لأنهما كانا
يستيقظان فجرا ويقطعان عشرات الكيلومترات للوصول إلى المدرسة، ويدرسان ليلا على
ضوء الشموع، ولكنه أبدا لن يرغب في أن يكون مثلهما أو يخوض نفس تجربتهما، وإذا
حاول الآباء حقن أبنائهم بنفس التجارب والظروف والأفكار والأحلام، سيكون ذاك
بمثابة جريمة في حقهم وفي حق الجيل بأكمله، لأن ما هو مناسب لجيل قد لا يكون
مناسبا للجيل الذي يليه، وطالما أن الحياة لا تعود للوراء فإنه على الأجيال السابقة
الخضوع والخنوع للتطورات والتغيرات التي تقع في العالم. 
تلك
الشعوب التي استطاعت الوصول إلى المريخ وفك ألغاز الكون، استطاعت إنقاذ البشرية من
الهلاك بأبحاثها المتواصلة، استطاعت أيضا أن تنير طرقاتنا، عززت ترابطنا وتواصلنا
مع بعض، كما اخترقت بيوتنا بآلات تدفئنا شتاء وتنعشنا صيفا، وهي الآن تطمح إلى
إعادة الأموات إلى الحياة، هي نفسها تلك الشعوب التي نالت الحكمة والخبرة من
تجاربها القاسية ومحاولاتها الفاشلة، فورثتها للأجيال التي تليها دون أن تفرضها
عليها، وما كانت لتحقق كل ذلك لو أنها ظلت رهينة زمن أجدادها. وهذا ما نعانيه
كمجتمعات عربية خصوصا، حيث تقيد حياتنا بسلاسل العادات والتقاليد، فتسجن حرياتنا
وتطمس إبداعاتنا وتطمر أفكارنا، فنستمر في اجترار مخلفات آباءنا الذين أوهمونا بأن
الاختلاف تخلف وسر التطور هو التشبث بأنقاض الماضي، هكذا هرمنا ونحن نعيش حياة
غيرنا، نفني حياتنا في الامتثال لشبح العادات ونثور عما نحب لأن رغباتنا تعاكس
مبادئ أشخاص تحللت أجسادهم وأرواحهم منذ سنين، وفي ظل التقدم المتناسل الذي لا
يمكن إيقافه فإنه، بهذه الطريقة التقليدية، لا يمكن أن ننجب إلا أدمغة متحجرة
وفكرا يابسا.
 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *