غاستون باشلار وبناء ابستمولوجيا حديثة

إن الإبستمولوجيا كتعريف هي مبحث فلسفة العلوم، وتعني التحليل النقدي للمعرفة العلمية. فهي اذا مبحث يدرس المعرفة العلمية ومشكلاتها والصعوبات التي تواجهها، وحتى انه يدرس شروط تشكلها خلال مسيرتها العلمية، هذه المسيرة أو هذا المسار للمعرفة العلمية وتقدمها هو ايضا موضوع تدرسه الأبستمولوجيا بوصفه مشكلة ابستمولوجيا كثر الحديث حولها.

وقد وضعت عدة نظريات أو آراء حول المسار الذي تسلكه المعرفة العلمية، ومن أبرز هذه الآراء نذكر موقفين مهمين؛ الرأي الأول اعتبر أن التقدم العلمي هو نتاج تراكمي؛ بمعنى أن المسار العلمي هو مسار متصل ومتدفق على الدوام إلى الأمام دون انقطاع، وبالتالي فكل معرفة جديدة هي هنا استمرار للمعرفة السابقة أو القديمة. أما الرأي الثاني فذهب إلى أن المسار العلمي ليس مسارا استمراريا اتصاليا، بل حدثت فيه انقطاعات وتعثرات وركود لفترات زمنية، بل إنه تعرض أحيانا لما يسمى ب”الردة المعرفية”. ومن ثم فالتقدم والتطور العلمي لم يكونا عبارة عن سلسلة من المشكلات التي تطور نفسها بصورة متتالية، بل التقدم بحسب أصحاب هذا الرأي حدث على شكل ثورات أو قفزات علمية كبرى تجاوزت القديم. وبالتالي فتاريخ العلوم كما يرون هو تاريخ فصل وتجاوز ما بين معارف قديمة لم تعد قادرة على تفسير المستجدات العلمية وما ظهر من أمور علمية جديدة.

ولعل من أبرز القائلين بهذا الرأي الثاني هو الفيلسوف “غاستون باشلار”. حيث أن الفترة الزمنية التي عاش فيها باشلار لعبت دورا هام في اتجاهه نحو هذا المنحى، إذ أنه وجد في عصر شهد تطورات علمية غير مسبوقة، فالقرن العشرين كما نعلم كان قرن الثورات العلمية الكبرى وصعود العلم الحديث، وبزوغ النظريات الثورية مثل نظرية النسبية وفيزياء الكم، وغيرها من النظريات التي فعلا غيرت بشكل جذري مفاهيم ومناهج علمية سابقة، الأمر الذي يجعلنا نتناول ابستمولوجيا باشلار بالدراسة والتحليل قصد إبراز مدى أهميتها. بناءا عليه نتساءل: من يكون غاستون باشلار؟ كيف بنى ابستمولوجيا أو فلسفة العلوم الحديثة ؟ ماذا تعني العقلانية التطبيقية عنده؟ ما القطيعة الإبستمولوجيا؟ ما هي مهام فلسفة العلوم؟ ما هي العوائق التي تعترض المعرفة العلمية؟ وإلى أي حد استطاع باشلار إرساء دعائم الفكر الابستمولوجي؟


يعتبر غاستون بشلار واحد من اهم فلاسفة القرن العشرين ، ويلقب بفيلسوف العلم او بفيلسوف العقلانية التطبيقية ومؤسسها. فقد اهتم باشلار بفلسفة العلوم وقدم فيها إسهامات كبيرة جدا تركت أثرها على كل من عاصره أو أتى من بعده. لكننا سنجده في مرحلة أخرى من حياته سينصب حول الاهتمام بمجالات أخرى كدراسة المخيلة والخيال في الشعر، وفلسفة الفن والجمال وغيرها من المواضيع المشابهة.

ولد غاستون باشلار في فرنسا سنه 1884 وتوفي في باريس سنة 1962؛ بدأ حياته المهنية عاملا في قطاع البريد لدى العاصمة الفرنسية، وبعدها التحق بالخدمة العسكرية الوطنية سنة 1906. وما بين عام 1919 و 1930 عمل كمدرس للفيزياء والكيمياء في أحد المعاهد، وحاز خلال هذه السنوات على درجة “الإجازة ” في الفلسفة مما سمح له بتدريسها. وفي سنة 1927 عين كأستاذ لتاريخ العلوم وفلسفتها في جامعة “السوربون” الشهيرة، وظل في هذا المنصب إلى حين تقاعده في عام 1954. ومن بين أعماله نجد “فلسفة الرفض”، “العقل العلمي الجديد”، “العقلانية العلمية التطبيقية”، “النشاط العقلي للفيزياء المعاصرة “، “المادية العقلانية”، “التحليل النفسي للنار”،… وإلى غير ذلك من الإنجازات الفكرية الأخرى.

لقد انبرى غاستون باشلار إلى تأسيس إبستمولوجيا معاصرة بهدف مسايرة التطور العلمي وما أحدثه من تحولات جذرية على بنية المعرفة والفكر والعقل العلمي، بحيث تكون هذه الإبستمولوجيا متجاوزة للموقف التقليدي للفلسفة في مقاربتها للعلوم؛ هذه الفلسفة التقليدية التي أصلا كانت متخلفة عن ركب العلوم الحديثة. من هنا فإبستمولوجيا باشلار تعد نقطة تحول كبرى في المسار الابتسمولوجي سواء التاريخي او المعاصر، إذ عملت على تصحيح الكثير من المفاهيم السابقة والخاطئة في فلسفة العلوم، كما أن إسهامات باشلار في هذا الميدان تجلت بشكل واضح من خلال إيجاده للعديد من النظريات والمفاهيم العلمية الجديدة.

ولعل الفكرة العامة لإبستمولوجيا باشلار تقول “أن المسيرة العلمية التاريخية كانت أشبه بعملية تصحيح مستمرة للأفكار والأخطاء العلمية، هذه الأخطاء التي تتشكل بنيتها من عناصر علمية ونفسية واجتماعية وتاريخية، قد تحولت إلى عقبات معرفية وابستيمولوجيا مع مرور الزمن في طريق العلم، وبالتالي إعاقة المسيرة العلمية ومنعت الوصول إلى المعرفة وتطورها”. لذلك كما يرى باشلار لابد للمعرفة العلمية أن تقطع مع هذه المعرفة السابقة لكي تتمكن من تجاوزها، وهذه العملية هي ما أسماها باشلار بالقطيعة الإبستيمولوجيا التي سمحت بقيام مناهج ومفاهيم وفكر علمي جديد.

ولابأس أن نعود إلى البداية ونتتبع خطوات باشلار في بناء مشروعه الفكري هذا، حيث سنجد أنه بداية لاحظ التطور الهائل للعلم الحديث وكيف أن علوم القرن العشرين بالتحديد أحدثت ذلك التحول الكبير في مفهوم العلم وبنيته ومنطلقاته. لذلك فعلى الفلسفة كما يرى باشلار أن تقوم بمراجعة مفاهيمها ومناهجها كي تستطيع أن تواكب التطور الحاصل، لأن الفلسفة كانت متأخرة عن علوم العصر باعتبارها كانت تقارب وتبحث في موضوع المعرفة من خلال نظريات المعرفة المتعددة، وأنساق مغلقة الدغمائية غائية، وهذا أبعد ما يكون كما يرى باشلار عن مفهوم المعرفة العلمية الحديثة. من هنا سنجد أن باشلار رفض أي فلسفة تضع من مثل وصايا فكرية على العقل العلمي. كمثل ما فعلت المدرستين الفلسفيتين العقلانية والتجريبية عندما ادعتا بحصرية الطريق الموصل للمعرفة من خلالهما، وهذا كما نعلم هو نتيجة لذلك الصراع الفلسفي التاريخي الذي دار ما بين الاتجاهين المثالي والتجريبي في تاريخ الفكر. فالمثالية أعطت الدور للعقل في عملية انتاج المعرفة، والاتجاه التجريبي وهو الاتجاه المضاد، قد حصر المعرفة بمعطيات الحس والواقع فقط.

أيضا بحسب باشلار حدث تحول آخر لا يقل أهمية عن التحولات السابقة، وهو أن النشاط العلمي الحديث المعاصر أصبح ذا طابع جماعي، حيث لم يعد عَالِمُ اليوم يعمل لوحده كما كان الحال في السابق وبالتالي تقرن اكتشافاته باسمه، بل تحول النشاط العلمي في العلم المعاصر إلى التعاون ما بين مجموعة من العلماء، وغالبا هؤلاء العلماء ينقسمون إلى قسمين، وبطبيعة الحال هذا التقسيم هو من إفرازات العلم الحديث أو التقدم التكنولوجي للعلم؛ فالقسم الأول هم العلماء النظريون، والقسم الآخر هم العلماء التقنيون الذين يطبقون هذه الأفكار أو يقيمون التجارب التطبيقية. لذلك فأغلب الاكتشافات العلمية اليوم هي نتيجة لهذا التكامل ما بين النظريين والتقنيين، أو بجملة أخرى نتيجة لتكامل ما بين ما هو نظري وما هو تقني. فالعلم المعاصر إذن اختلف عن العلم السابق، إذ أصبح كما أشرنا سلفا علما تقنيا تطبيقيا، كما أن الفكر العلمي المعاصر اختلف عن السابق حيث أصبح ينتمي إلى ميدان الرياضيات المجردة، وحتى الاكتشافات العلمية أيضا اختلفت وتحولت من حيث أنها أخذت طابعا تقنيا وجماعيا لا فرديا كما في السابق.

وبناء عليه، قدم باشلار ما أسماها العقلانية التطبيقية؛ وهي موقف وسط بين المثالية والتجريبية، اي بين العقلانية والوضعية. بحيث انه أخذ من العقلانية تأكيدها على أهمية التفكير الرياضي المجرد، وأخذ أيضا بالمقابل من الوضعية ابتعادها عن كل ما هو ميتافيزيقي ولا ينتمي للمجال العلمي البحت. فالعقلانية التطبيقية نستطيع أن نقول انها فلسفة العلوم الحديثة، لأنها تتميز بحركة ابستيمولوجية تنطلق من العقلانية إلى التجربة، بمعنى أنها حركة مزدوجة تجمع بين الواقع العلمي والعقل، وبين ما هو نظري قبلي أولي سابق على التجربة وما هو تطبيقي بعدي أي بعد التجربة، كما تجمع أيضا ما بين الذاتية والموضوعية. أو بجملة مختصرة فالعقلانية التطبيقية تنطلق من النظرية إلى التطبيق، لأن موضوع العلم كما مر معنا لم يعد جاهزا ومعطى إذ أن الواقع الحسي الجاهز لم يعد هو الموضوع الأساسي الذي تعمل عليه المعرفة العلمية الحديثة، بل إن موضوع العلم أصبح يتم بناؤه نظريا، وبالتالي فالمعرفة العلمية الحديثة تنطلق هنا من النظرية الى التطبيق. والعقلانية التطبيقية إذن هي حركة تطورية تفاعلية جدلية تكاملية ما بين العقل والتجربة، بل هي ثمرة زواج مفهومي ما بين النظرية والتطبيق.

وانطلاقا من كون باشلار من دعاة مواكبة فلسفة العلم الحديث ، سنراه يحدد لفلسفة العلوم او للابستيمولوجي
ثلاث مهام رئيسية ، وهي أولا إبراز القيم الابتسمولوجية للعلم المعاصر، وثانيا إبراز أثر تطور المعارف على بنية الفكر العلمي، وثالثا التحليل النفسي للمعرفة الموضوعية؛ وهذه الثلاث مهام هي ابتكارات باشلارية خالصة ومهمة جدا في بنية فلسفة العلوم الحديثة.

فبالنسبة للمهمة الأولى؛ فالقيم الابستمولوجية التي يدعو باشلار فلسفة العلم بإبرازها هي مجموعة من القيم المتجددة التي يفرزها العلم خلال تطور الفكر العلمي. ومصدر هذه القيم نابع من النظريات العلمية الجديدة بما تفرزه وما تحمله من قيم ثورية وتجديدية في المجال العلمي. فباشلار كلف الابتسمولوجيا المعاصرة بهذه المهمة لأنها هي التي عاصرت هذا التطور والتقدم العلمي وبالتالي هي التي تعرف وتفهم خصائصه وقيمه التي أفرزها. فمثلا الهندسات اللااقليدية قيمتها الابستيمولوجية تتجلى في المفاهيم الرياضية الحديثة والجديدة لتصور المكان التي قدمته . فغيرت بشكل جذري ما كان شائعا وسائدا من تصورات للمكان. وبالتالي هذه قيمة يجب على الابستيمولوجيا إظهارها وبيان دلالتها واثارها العلمية.

غاستون باشلار

أما بالنسبة للمهمة الثانية وهي إبراز تطور المعارف العلمية على بنية الفكر؛ والتي تكون من خلال إظهار كيف ان المعارف الحديثة تعيد تشكيل البنية الفكرية والعقلية العلمية عبر إعادة تشكيل مبادئ المعرفة ذاتها؛ بمعنى استبدال المبادئ العلمية القديمة بأخرى حديثة. أو بمعنى اخر فإن تكوين عقل علمي حديث لا يكون إلا من خلال تحطيم العقل العلمي السابق أو القديم بمبادئه التي لم تعد صالحة لخصائص ومقتضيات العلم المعاصر. وكما يرى باشلار فهذا أمر جد مهم لأنه يكشف لنا عن عقبة معرفية أغفلها كل من الفلاسفة والعلماء تاريخيا. حيث أن الاعتقاد الشائع في السابق كان يرى أن العقل ثابت من حيث بنيته وأنه يوجد في داخله مقولات تأخذ شكل الإطلاق والتي تساعد على فهم وإدراك الواقع، وهذا ما جعل بعض الفلاسفة والعلماء يذهبون للقول في بعض المطلقات والمسلمات والحقائق الثابتة. وبراي باشلار سبب هذا هو عدم وجود فلسفة صحيحة للعلوم في السابق. فكل هذه الامور او هذا الاعتقاد بشكل عام ليس من العلم بشيء، لأن العقل الثابت والمطلق عند بشلار لا يعد كونه وهما فلسفي قيد الفكر العلمي لقرون عديدة ، وحد من انطلاقاته وجعله يراوح مكانه. ويكفي ان نقدم مثال مقولات المنطق الارسطي التي قيدت العقل . بينما في الحقيقة العقل ليس ثابت وليس مطلقا كما يرى باشلار وانما هو دو بنية لها تاريخ تطوري . فكلما ظهرت معارف جديدة وحديثة فإنها تعيد تشكيل العقل وفقا لما هو حديث وجديد. وهذا ما حدث كما يرى بشلار في كل المراحل التاريخية لتطور المعرفة العلمية ، ففي كل مرحلة تاريخية كانت تحدث ثورات علمية كبرى تتجاوز وتقطع مع القديم فتبرز بالتالي معها قيم ابتسمولوجيا جديدة ، وتفضي الى تطور المعرفة العلمية وذلك يستتبع بالضرورة كما يرى بشلار تطور بنية العقل العلمي من خلال تحديث مبادئه ومن خلال إحلال الجديد مكان القديم. و يقدم لنا غاستون باشلار عدة امثلة عن واقع الممارسة العلمية المعاصرة ليبين لنا كيف ان التجربة والمبادئ الجديدة دائما ما تستبعد القديمة كما حصل في تجربة العالمين “مايكل سون” و “موري”، هذه التجربة التي يستشهد بها باشلار كان هدفها اثبات وجود “الاثير” الذي كان يُعْتَقَد بانه الوسط الذي يتحرك من خلاله الضوء في الفراغ، و كان الاعتقاد السائد ان هذا الاثير موجود في كل الكون . فهذه التجربة التي اقيمت على مبادئ الفلسفة الكلاسيكية قد فشلت فشلا ذريعا على الرغم من اعادتها عده مرات وفي اماكن مختلفة، وعلى اثر هذا الفشل المتكرر بدأ العلماء يقدمون التبريرات حول فشل هذه التجربة وذلك من اجل عدم سقوط نظرية وجود مادة الاثير، الى ان ظهر عصر اينشتاين وظهرت معه النظرية النسبية التي قالت بان سرعة الضوء ثابتة ، وعدم وجود ما يسمى بمادة الاثير وبان هذه المادة لا تعد كونها وهم علمي لا اكثر ولا اقل. وبالتالي الذي حدث هو ان مبادئ نظرية النسبية لأينشتاين حلت هنا مكان مبادئ نيوتن في هذه المسألة بالتحديد. هكذا اذن يرين بشلار كيف يجدد الفكر العلمي مبادئه وكيف يستبدل القديم بالجديد، ليخلص باشلار على ان فيلسوف العلم او الابستيمولوجيا يجب ان تظهر لنا الى جانب مهمتها الأولى، ذلك الاثر الخاص بالمعارف العلمية الحديثة على العقل العلمي والتحول الذي تحدثه في داخل بنيته، لأن هذه المهمات سواء الأولى أو الثانية أو حتى اللاحقة هي من العلامات المميزة للروح العلمية الجديدة والحديثة.

أما إذا عرجنا نحو المهمة الثالثة -التحليل النفسي للمعرفة الموضوعية- فسيستعين باشلار هنا بمدرسة التحليل النفسي التي اوجدها الفيلسوف “سيغموند فرويد” . فالتحليل النفسي الفرويدي كما هو معروف كشف عن الرغبات والدوافع اللاشعورية المكبوتة والتي تأثر في السلوك الإنساني الواعي ، بل إن هذه المكبوتات اللاشعورية تعيق أحيانا هذا السلوك عندما تنتقل على شكل أنواع من الاضطرابات التي تطفو على سطح الوعي وتتظهر بالتالي ببعض السلوكيات. وهذا ما يحدث بنفس الكيفية تقريبا براي باشلار أثناء عملية إنتاج المعرفة العلمية، فالعالم او الباحث في مجال العلوم هو أيضا لديه مكبوتات لاشعورية مثل الآراء الشخصية والأحكام المسبقة أو معتقدات علمية شائعة وخاطئة، كما أنه يحمل قيما أيديولوجية وفكرية مترسخة في داخله، وبالتالي حسب باشلار فإنه يمكن أن تؤثر هذه المكبوتات على عمله وعلى إنتاجه العلمي حتى من دون وعي منه ، فالعالم في نهاية الامر هو مثل كل الناس في تكوينها النفسي، اي مهما حاول واجتهد ان يكون موضوعيا ومهنيا ومنهجيا يبقى في المقابل جهازه النفسي كمثل البقية.

لذلك يشدد باشلار على وجوب أن نبحث في موضوعية أي معرفة علمية ، وبان نحلل التفسيرات التي يصل اليها الباحث لاكتشاف ان كان فيها تمتا من اثر لهذه المكبوتات اللاشعورية ،او لموروثاته الاجتماعية، لان اختلاطها بالعمل العلمي قد يبطأ مسيرة المعرفة العلمية ويجمدها لفترات ، بل قد يحرفها عن مسارها العلمي . وبالتالي ستتحول اثار هذه المكبوتات وجملة القيم اللاشعورية عند العالم الى عقبات تعيق الوصول الى المعرفة العلمية الموضوعية ، هذه العقبات هي ما يطلق عليها باشلار اسم العوائق الابستيمولوجية؛ هذه الأخيرة التي نشأت من داخل العملية العلمية وليس من خارجها بسبب الشروط النفسية المصاحبة لعملية إنتاج المعرفة. فباشلار يرى ان الآراء والمعتقدات العامة لا تأسس علما بل تتعارض بشكل طريح وواضح مع المنهجية العلمية، وبالتالي تقف هذه الآراء كمثل عقبة في طريق تقدم المعرفة العلمية. فضلا عن وجود عوائق أخرى من قبيل مشكلة التعميم المتسرع ، و التجربة الأولى على حد تعبير باشلار التي تعتمد على الحس وما تقدمه الحواس من دون إعطاء أي دور للعقل او التفكير النقدي. فكل هذه العقبات وغيرها ممن يذكره باشلار هي عقبات ابستمولوجية على العلم أن يتجاوزها وأن يقطع الصلة بها إذا ما
أراد التقدم والتطور.


من هنا وعلى ضوء ما تقدم نستطيع أن نفهم ما هو الرابط بين العقبة الابستيمولوجية والقطيعة الابستيمولوجية؛ بحيث هذان المفهومان عند باشلار يخبراانا بأمرين في غاية الأهمية؛ الأمر الأول أن لكل عصر أو مرحلة تاريخية عوائقها الخاصة والثاني أن المرحلة المعاصرة هي أيضا ليست باستثناء، وبالتالي ستظهر عوائق ابستمولوجية جديدة سواء سيكولوجية أو علمية خاطئة أمام العلم الحديث؛ وهذه حالة طبيعية تندرج ضمن السيرورة العلمية وسيحدث بلا شك ظهور لعقبات ستنتج عنها قطيعات ابستمولوجية. هذه هي حركية العلم وجدليته، ـو كما يصف باشلار الأمر بقوله بأن تاريخ العلوم ما هو إلا تاريخ جدلي ما بين العوائق والقطيعات الابستمولوجية، ولذلك يشدد باشلار على أهمية أن تكون الابستمولوجيا يقظة دائما مع التطورات العلمية لكي تكتشف العقبات وبالتالي يُفَعَلْ العمل الابستمولوجي من خلال تجاوزها او بإزالتها.

وختاما فان ابستمولوجيا غاستون باشلار كانت لها نتائج كبيرة جدا، منها مثلا تجاوز الصراع ما بين العقلانيين والتجريبين، ناهيك عن ردم الهوة التي كانت موجودة ما بين الفلسفة والعلم من حيث أن باشلار دعم الفلسفة وأراد منها ان تلحق بالخط العلمي بخلاف بعض مفكري “حلقة ڤيينا” أو الوضعيين الذين أرادو تحويل الفلسفة إلى مجرد منطق. كما قدم لنا باشلار تصورا جديدا لتاريخ العلم ومساره من خلال إعطاء قيمة للعقل الإنساني ولدوره المركزي في عملية الإنتاج المعرفي، فأوضح لنا أن العقل العلمي هو ذو بنية متغيرة ومتطورة على الدوام بفعل تطور المعارف نفسها، وهذا يعني بشكل مباشر أن كل الحقائق العلمية هي حقائق متغيرة ومتبدلة وغير نهائية، وبالتالي عرفنا مع باشلار أن تاريخ العلوم هو تاريخ تصحيح للأخطاء العلمية.

غاستون باشلار وبناء ابستمولوجيا حديثة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *