الأمن الصحي ورهانات النموذج التنموي الجديد

من أجل مغرب جديد لابد من الاهتمام بأهم القطاعات الحيوية ونخص بالذكر قطاع الصحة، الذي أظهرت جائحة كورونا مدى هشاشته، فأصبحنا نتساءل أكثر حول مستقبل الأمن الصحي بعد جائحة كورونا.
فالأمن الصحي هو بعد من أبعاد الأمن الإنساني ، ويعد من المفاهيم التي لا زالت تفتقر إلى تعريف محدد ، فحسب التقرير الثاني لبرنامج الأمم المتحدة لسنة 1994 ، يمكن تعريف الأمن الصحي على أنه ضمان الحد الأدنى من الحماية والرعاية الصحية من الأمراض والوقاية منها ، وانطلاقا منه نستنتج أن الأمن الصحي يعني اتخاذ مجموعة من الإجراءات لتحقيق الإطمئنان اتجاه الأخطار الصحية والمحافظة على الصحة العامة.
ولقد حرصت لجنة النموذج التنموي في تقريرها على أن تهتم بالأمن الصحي ، وكذا وضع مجموعة من المقترحات من أجل النهوض بقطاع الصحة بالمغرب ، فعلى الرغم من العديد من المجهودات المبذولة والإنجازات كتوسيع التغطية الصحية من خلال التأمين الإجباري على المرض ، ونظام المساعدة الطبية ، إلا أن هناك مجموعة من الصعوبات التي تحول دون الولوج لمنظومة العلاجات وذلك بسبب ضعف الموارد المالية المرصودة لهذا القطاع ونسبة التأطير الطبي التي تبقى دون المعايير المعتمدة لدى منظمة الصحة العالمية والتوزيع الغير المتكافئ للعرض الصحي على المستوى الترابي ، نتيجة لذلك فقطاع الصحة لازال يعد مصدرا للهشاشة بالنسبة للمغاربة ، حيث أن 38% من الساكنة لا يتوفرون على تغطية صحية ، كما أن الأسر المغربية تتحمل في المتوسط 50% من نفقات الصحة .

فبما أن النموذج التنموي هو إطار لرسم الأولويات التي يجب أن تنصب عليها السياسات العمومية لتحقيق التقدم والانتقال إلى مغرب مزدهر ، وبما أن القطاع الصحي هو من أهم القطاعات التي تحتاج إلى الإصلاح ، فكان من الضروري للجنة النموذج التنموي أن تهتم بالشأن الصحي ، فوضعت سبعة توصيات ومقترحات لتحقيق مجموعة من الأهداف .
المقترح الأول: دعم طلب العلاجات من خلال تعميم الولوج إلى التغطية الصحية وإعداد سلة علاجات قابلة للتطور ، حيث يجب العمل على تسريع تغطية العاملين الغير المأجورين عبر نظام التغطية الصحية الإجبارية ، وضمان الولوج الفعلي إلى نظام المساعدة الطبية “الراميد” لفائدة الساكنة المستهدفة ، وأيضا تطوير نظام المساعدة الطبية في اتجاه نظام تأميني يقتصر العمل به في مرحلة أولى على المستشفيات العمومية .
المقترح الثاني: الاستثمار المكثف في الموارد البشرية وتثمينها ، وتتمثل في تغطية العاملين في الصحة لمجموع التراب الوطني ، حيث أن الهدف المنشود هو بلوغ نسبة 4،5 لكل ألف نسمة بحلول 2035 ، مقابل 2 لكل ألف نسمة ، وهو ما يستدعي تكوين 3.600 طبيب و7.100 ممرض سنويا في المتوسط.
المقترح الثالث: إعادة تنظيم مسار العلاجات من المستوى الجماعاتي إلى المستوى الجهوي وتسريع رقمنة النظام الصحي ، فاللجنة تقترح دمج المركز الاستشفائي الجامعي الجهوي وجميع الوحدات الاستشفائية الجهوية في مؤسسة عمومية واحدة مستقلة ، وأيضا إنشاء وكالات جهوية للصحة تكلف بتفعيل السياسة العمومية للصحة على المستوى الجهوي وبتنمية التعاون والتكامل مع القطاع الخاص، وأخيرا وضع سجل طبي رقمي لجميع المواطنين .
المقترح الرابع: دعم المستشفى العمومي وتشجيع التعاون بين القطاعات العام والخاص ، حيث توصي اللجنة بوضع نظام فوترة بالمستشفيات العمومية يضمن لها استرجاع مقابل خدماتها من الصندوق الموحد للتغطية الأساسية ، وكذا تشجيع تقاسم التجهيزات الطبية بين القطاعين العام والخاص .
المقترح الخامس: مراجعة عميقة لحكامة النظام الصحي على جميع المستويات، مع تقوية البعد الترابي لهذه الحكامة ، تقترح اللجنة إحداث سلطة علمية مستقلة وغير تابعة لوزارة الصحة ، تتولى ضمان الجودة الشاملة للنظام الصحي عن طريق تحديد المعايير والمساطر وتأطير تكوين الكفاءات ووضع آليات للمراقبة والتصديق ، تسريع رقمنة مجموعة إجراءات تسيير النظام الصحي لملائمتها مع المعايير الدولية ، تطوير صناعة الخدمات والتجهيزات الطبية لملائمة الحاجيات الوطنية، تشجيع المنافسة النزيهة بين الفاعلين في الميدان الصيدلي.
المقترح السادس: وضع سياسة مندمجة وبين قطاعية فيما يخص الوقاية والحماية الصحية ، وذلك من خلال تطوير برامج الوقاية المخصصة لبعض الأمراض كالسكري وأمراض القلب والشرايين…، وكذا تقوية آليات التربية الصحية والعقلية والصحة الإنجابية ، أما في ما يخص الأمن الصحي فتقترح اللجنة تعزيز القدرات التقنية والمؤسساتية من خلال إحداث وكالة وطنية للصحة العمومية واليقظة الصحية ، لكي تتدخل كجهاز علمي محوري مهمته الكشف والوقاية وإعلان الحالات الاستعجالية التي تشكل مخاطر في مجال الصحة العمومية، وللمساهمة في تعزيز قدرات الفاعلين في ما يخص التشخيص والمعالجة.
المقترح السابع: تعزيز قدرة النظام الصحي على الصمود أمام مخاطر الأزمات الصحية في المستقبل وتطوير السيادة الصحية ، رغم أن المغرب قد أبان عن تدبير فعال نسبيا لأزمة كوفيد 19، إلا أنه من الضروري أن يعزز أمنه الصحي في المستقبل ليكون قادرا على الوقاية والاستجابة لحالات الطوارئ الصحية والحد قدر الإمكان من تأثيرها على المواطنين، ولهذا تقترح اللجنة تعزيز القدرات التقنية والمؤسساتية في مجال الأمن الصحي.
من كل ما سبق، نلاحظ أن لجنة النموذج التنموي لم تغفل عن القطاع الصحي ، بل أشارت إلى الإشكالات والإكراهات التي تحول دون تحقيق الأمن الصحي ، فهذا الأخير أصبح يحتل المرتبة الأولى من حيث الأهمية ليس فقط وطنيا بل عالميا خاصة بعد أزمة كورونا ، فرغم أن هذه الأزمة أثّرت شيئا ما في بلورة النموذج التنموي إلا أنه يجب اعتبارها فرصة لإعادة ترتيب الأولويات ، واستدراك التأخر الهيكلي وكذا السير نحو الحفاظ على الأمن الصحي وتحقيق السيادة الصحية من خلال تنزيل مقترحات النموذج التنموي على أرض الواقع، وترجمة النتائج والمقترحات إلى سياسات وتدابير إجرائية .

سارة ابلق

باحثة في القانون العام والعلوم السياسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.