عن العلم كأداة لكسب العيش والوجاهة الاجتماعية! – الجزء الثاني

ومن ناحية أخرى، فإن الحديث في هذه النقطة يطرح تساؤلا وجيهًا على جميع المتعقلين بالعقلية القطيعية (هل أنت هو أنت؟)؛ هذا التساؤل طرحه أحد أصدقائي منذ سنوات، ولم أعرف مدى عمقه إلا بعدما أثير في ذهني تلقائياً لِمَا عايشته خلال السنوات الموالية، لدرجة جعلتني أطرحه على مشروع مستشار في مجلس الدولة (حاصل على شهادة الدكتوراه في القانون)، حيث إنه قال نصاً أنه يتمنى أن يرى جميع تلاميذه في الهيئات القضائية، فعندما قلت له لو افترضنا تحقق هذه الأمنية التي يرددها جميع الأكاديميين والأكاديميات والتي يصبو إليه السواد الأعظم من الطلاب والطالبات في كليات الحقوق في مصر، فمن الذي سيشغل الكفة الأخرى في ميزان العدالة، أي بعبارة أخرى عندما يكون جميع طلبة الحقوق في النيابة العامة التي تعتبر جهة اتهام وهدفها الأساسي تكييف النص العقابي على المتهمين فمن الذي سيدرأ عن المتهمين هذه الاتهامات؟ فكانت إجابته موتورة ومتوترة إلى حد كبير، وهذا ما تبين في رده: (أبدأ أبداً أنا لا أقصد إهانة المحامين ولكن كل ما في الأمر أنك ترى أن وظائف الهيئات القضائية هي الأفضل في وجهة نظر المجتمع لذا فهذه الأفضلية وقفت حائلا بيني وبين تحقيق رغبتي في ممارسة مهنة المحاماة) كانت هذه الإجابة كفيلة لأطرح عليه هذا التساؤل: أنت من؟ هل أنت نفسك أم أن شخصيتك مُحاكة بأنامل المجتمع؟

فإن كان هذا الموقف يؤكد مزاعمي فإن هناك موقفا آخر يدحض توارث هذه الأفكار الرجعية من جيل إلى جيل؛ يتلخص هذا الموقف في قيام طالبة من الطالبات في الإجابة على سؤال أحد الأكاديميين الذي بدوره لم يتوان عن الإشادة بها إثر إجابتها مع توقعه بمستقبل مشرق لها كمحامية فكان ردها عليه أنها لا تحب المحامين بل تحب العمل في الهيئات القضائية.

بالطبع هي الأخرى لم تكن وجهة نظرها هذه نتاج قريحتها بل إنها ترى في مجتمعنا (اللطيف) أن العبرة ليست بقيمة العمل، ولم تحدس كنه المهنة جيداً، ولكن العبرة بمميزات الوظيفة التي ترصع بها من جهة والمكانة الاجتماعية الزائفة التي لا أعرف ماهيتها من جهة أخرى وإن كان قد عرَّفها لي أحد الزملاء المتعقلين بالعقلية القطيعية في صورة سؤال طرحه عليّ؛ هل تفضل الناس التي تحترمك لحبها لك أم التي تحترمك مهابةً منك؟ فالمهابة هنا المقصود بها  ذوو النفوذ دون الاعتداد بقيمة ما تقدمه!

يا دكتورة: في مجتمع المال والسلطة تم تفريغ المهن جميعاً من جوهرها الإنساني فهنا مهنة إنسانية بحتة مثل مهنة الطب باتت أداة للظفر بالأموال من ناحية وتشرنق صاحبها بالمكانة الاجتماعية، اللهم بعض الأطباء الذين يمارسونها كمهنة إنسانية بحتة، واللهث وراء الوظائف في الهيئات القضائية ليس تلبية للإعلان الذي يشترط الكفاءة والصلاحية في المتقدمين بل لأجل المميزات المعنوية والمادية التي تسفر عن النجاح في اقتناص هذه الوظائف، وهذا ما يؤكده كل من يواجه نفسه في مرآتها، وعلى شاكلة ذلك مهنة مثل المحاماة باتت أداة للتحايل والالتفاف لإرهاب الناس في الأرياف نظراً للمعرفة القانونية المحدودة لأهلها، ولا يثبت ذلك أكثر من قول إحدى الأكاديميات بصورة ضمنية بأننا إذا أردنا أن نكون أصحاب شأن (كطلاب للقانون) ينبغي علينا أن نقتفي آثار محامي رئيسٍ قاتلٍ وجاسوسٍ مصري، دون أن تسلِّط الضوء على من جعلوا مهنة المحاماة رسالة  للدفاع عن حقوق الإنسان، فإن كان المسوغ لمقولتها هذه هي كفاءته المهنية، فلتذهب هذه الكفاءة في الجحيم إذا جاءت على أنقاض العدالة. 

هذه هي القناعة التي يحاولون ترسيخها في عقولنا (إذا أردت أن تكون صاحب شأن عليك باللهث وراء السلطة أو السعي الدؤوب للحصول على الأموال، ولا يهم قيمة الشيء الذي تقدمه). 

لذا فتحول كليات العلوم الإنسانية في مصر في الوقت الراهن إلى باحة لأجل الحصول على شهادة يتم إدراج صاحبها في عداد حاملي المؤهلات العليا دون الاعتداد بقيمة العلم أو مدى حصيلة الاستفادة من الدراسة هو نتيجة حتمية لهذه القناعات، ولا أجد ثمة غضاضة في الإشارة إلى أن شهادات العالمية أضحت هي الأخرى تستخدم للوجاهة الاجتماعية من ناحية ولتنميق السيرة الذاتية من ناحية أخرى، أي من منطق (الدكتور راح والدكتور جه).

أعلم أني توسعت في إلقاء الاتهامات على خلق الله بل ودخلت في بواعثهم، ولكن هذه الحقيقة مستقاةٌ من الحياة الجامعية والتي تفضحها القرائن التي تنبلج من تصرفات الأشخاص المنوطة بهم هاته الادعاءات، والتي قد تكون محض تُرَّاهات، ولكن حتى يثبت لي عكس ما أرتئيه، لابد من إخباركِ أن الأكاديميين والأكاديميات مسؤوليتهم إزاء التدهور لا تقل جسامة، فجميعكم جزء من هذه المنظومة وكثير منكم ثار على هذه القيم الرجعية في مستهل حياته المهنية ثم تَطَبَّع بعد ذلك بالطباع السائدة حتى تسير الحياة من ناحية ويحُول هذا التطبع بينه وبين المشاكل التي قد تفقده كرسيه الأكاديمي من ناحية أخرى. 

أرجوك لا تقولي لي كما قلتِ سابقاً وكما قال لي أحد المسؤولين في الجامعة التي أدرس فيها (إذا أردت أن تغير ما لا يستقيم مع قناعاتك ينبغي عليك أن تتبوأ المناصب ثم تقوم بالتغيير من خلال منصبك). هذا الرأي ماهو إلا محض هراء لأنني عندما أصل إلى هذا المنصب سأكون تطبعت بالطباع السائدة وضربت بقناعاتي عرض الحائط حفاظاً على منصبي كما فعل الكثير منكم سابقاً. 

حتى لا أطيل عليك، آسف على تطاولي الذي قد يُستَشَف من هذه السطور، وأيضاً على قفزي من فكرة لأخرى ومن موقف لآخر بطريقة مكوكية، وعلى تخميني لردك في أكثر مناسبة، تحياتي لك ولأقرانك المنمَّطين والمنمطات الذين هم في سبات عميق.

انتهى!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *