تدوينة متصدرة

المديونية بين نهج الدول المتقدمة والدول النامية|الجزء 2.. شروط المديونية الآمنة: اليابان نموذجاً

إنّ الاستدانة ميزة مشتركة بين الأنظمة الاقتصادية المعاصرة سواء كانت رأسمالية، اشتراكية أو مختلطة، سواء تعلق الأمر بدولة متقدمة أو دولة نامية. لذلك تعمل المؤسسات الدولية على إرساء أحكام حتى يتم ترشيد هذا الديْن وعقلنته. فنجد مثلا أنه يتم اعتماد الناتج الداخلي الخام لتحديد سقف الدين العمومي؛ ففي الدول المتقدمة إذا ما تجاوز حجم الدين 30% من قيمة الناتج المحلي يعتبر الأمر داعيا للحذر. بينما في الدول النامية تتحدد النسبة في 60٪، وتختلف هذه النسب باختلاف القوانين المحلية أيضا، إذ يعتمد الاتحاد الأوروبي نسبة 60٪ لمختلف أعضائه، وفي  البرازيل يوجد قانون للمالية العامة يقر السقف في 70٪.

رغم كل هذه الضوابط، إلا أننا نقرأ عن نسب واقعية خيالية، وكأن الحكومات تضرب بعرض الحائط كل هذه التعاليم والإرشادات. فما الذي يجعل اليابان آمنة وواثقة مما تفعله وهي التي قد تجاوز دينها 246.6٪ من ناتجها القومي سنة 2016، ويتحدث الخبراء عن إمكانية أن يصل لنسبة 600٪ في أفق سنة 2060؟

ما الذي يُبقي اليابان والصين والولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وبريطانيا بعيدِيـن عن سيناريو الإفلاس مثلما حدث في اليونان والأرجنتين؟

شروط الدّيْـن الآمِـن

يتحدّث مُحلّلو الاقتصاد والمال عن ثلاثة شروط تضمن للمديونية البقاء في برّ الأمان؛ وهي كالتالي:

الشرط الأول: يجب أن يكون الدين العام في أغلبيته دينا داخليا، ونقصد هنا أن تكون مستحقاته مملوكة للفاعلين المحليين (شرحنا الدين الداخلي والخارجي و في الجزء الأول)، فهذا يعني أن الحكومة لن تقوم بأداء أي شيء لأي مؤسسة دولية أو أي جهة أجنبية، وبالتالي لن تكون عرضة لأية سيادة خارجية، وهذا ما ينطبق على اليابان والصين والولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا.

فحسب البنك المركزي الياباني، فإن ما يقارب 90٪ من قيمة الدين العمومي هو دين داخلي؛ حيث أن 36.7٪ تعود للبنك المركزي، 24٪ للمؤسسات البنكية، 21.8٪ للمؤسسات التأمينية، وما يماثلها للأسر، فقط 6.7٪ هو كل ما يمثله الدين الخارجي. هذه الهيكلة تجعل البلد في مأمن بعيد عن أي إملاءات خارجية تمس من سيادتها قيد أُنمُلة. إلا أن الحصول على التمويل الداخلي ليس أمرا سهلا وإنما نتاج مستويات جيدة من الادخار الوطني L’épargne nationale.

الشرط الثاني: من أجل دين آمن، يجب أن تكون وضعية الدولة من ناحية الأصول المالية ( actifs financiers) جيّدة. – تشمل الأصول المالية الودائع المصرفية والسندات والأسهم المتداولة في الأسواق المالية- فكلما كان صافي تعاملاتنا في الأصول المالية موجبا، كلما كان ذلك يعني أن البلد يحقق فائضا في استثماراته المالية الخارجية، وبالتالي هي محصَّـنة من أي تهديد لأنها ببساطة تمتلك مستحقات في بلدان أخرى. (صافي الأصول المالية هو الفرق بين مجموع ما يمتلكه الفاعلون المحليون في الخارج ومجموع ما يمتلكه الأجانب في الداخل).

وهذا ما يفسِّر السياسة الاستثمارية المكثفة لليابان في شراء السندات في الأسواق المالية الخارجية، حيث استثمرت مؤخرا ما يفوق 44 مليار أورو، أيْ 80٪ من قيمة الاستثمار كانت في منطقة اليورو، ناهيكم عن أن اليابان هي أكبر المُمَوّلين لصندوقيْ النّقد والبنك الدّوليَيْن.

إذن بخلاصة التعبير، الحكومة اليابانية تقوم بالاقتراض من مواطنيها وشركاتها وبنوكها، وتمول بهذا الدّيْن احتياجات السوق المالية الدولية. وهي حاليا أكثر بلد يَدين له العالم، متجاوزة الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا والصين.

اقــرأ أيضاً على مدونة زوايــا

    الشرط الثالث: اعتماد الحكومة على بنك مركزي مُسيَّس، يستطيع المناورة والتفعيل الجيد لسياسة نقدية تتحكم في مستويات الدين العمومي وتركيبته. ولعلها نقطة قوة تحسب للدول التي لا تنتمي لأي اتحاد نقدي؛ فمثلا اليونان في أزمتها الخانقة سنة 2008 لم تستطع أن تقوم بمناورات مالية على نطاق واسع، لأنها مطالبة بالالتزام بما يمليه الاتحاد الأوروبي من أحكام قيدت تحركات البنك المركزي اليوناني. على عكس أي دولة مستقلة لها سيادة كبيرة تتمثل في بنك مركزي قادر على التحكم في الكتلة النقدية ومستويات التضخم والدين وغير ذلك.

    لقد كانت هذه هي أبرز الشروط التي تقوي من قدرة البلد على تحمّل الديون، فماذا إذن عن العوامل التي تجعل من الدين أمرا جيدا بدل أن يكون ديْناً سيّئا ؟

    عوامل الدين المُثمر

    تخيل معي أن يقوم الشخص (x) باقتراض مبلغ معين بغرض تأثيث منزل أو تغطية مصاريف سفره، ولدينا الشخص (y) الذي اقترض نفس المبلغ من أجل إنشاء مشروع صغير يدر عليه دخلا إضافيا. الأول أنفق دون أن يربح درهما واحدا، بينما إنفاق الثاني يعد استثمارا سيُدِر عليه أرباحا مع الوقت تقيه شر الاستدانة مستقبلا؛ إنه نفس المنطق الذي يجعل من سياسة الدين العمومي مثمرة في دول وفاشلة في دول أخرى.

    إن الكيفية التي يتم بها استخدام هذا الغرض هي التي تحدد جدوى هذا الدين، فهذا الأخير يكون جيدا عندما يتم من خلاله إنجاز مشاريع تنموية ذات قيمة إضافية قوية، تنعش الحركة الاقتصادية وتخلق فرص الشغل (الصناعة مثلا)، في حين أن الاقتراض لتوفير رواتب الموظفين أو تسديد مستحقات الديون السابقة، فهي عشوائية تجلب المزيد من الديون. وقد صرح وزير الاقتصاد المصري السنة الماضية بحاجة الحكومة المصرية للاقتراض مجددا من أجل تسديد ما عليها من التزامات مالية. إضافة إلى ما تعرفه لبنان -أكثر البلدان العربية ديوناً والخامسة عالميا- من زيادة في الضرائب من أجل تغطية واجباتها في سداد الديون.

    إنّ اليـابــان خيرُ مثال على أن الدين العمومي له بعد إيديولوجي أكثر مما هو اقتصادي.

    إذن، يمكن القول إن المنظور الجيد للدين يربط هذا الأخير بالاستثمار، ولا أظن أنه يوجد ما هو أنفع من الاستثمار في العنصر البشري، عبر تخصيص ميزانيات ضخمة للتعليم والبحث العلمي، وهذا بالضبط ما تفعله اليابان، التي تنفق في مجال البحث العلمي الذي يهتم بالتحولات الطاقية وعلوم المستقبل للأجيال الصاعدة.

    مقومات أخرى تساهم في إنجاح سياسة الدين، مثل القدرة والقوة الإنتاجية للاقتصاد، فالدين في بلد منتج ليس كالدين في بلد مستهلك، والدين في بلد مُصدِّر ليس كالدين في بلد مستورِد؛ علاوة على مدى صلابة القطاعيْن البنكي والصناعي.

    إذن هي سيرورة بسيطة مثمرة: نقترض نعم، ولكن نستثمر، ننتج، نصدّر، ونملأ بالتالي خزينة البلد بالعملة الصعبة، ومن ذا الذي لا يحب أن تكون حقيبته مليئة بالدولارات! 

    مقابل سيرورة معقدة سيئة: نقترض فننفق في الثانويات، لا نجد مالا؛ فنقترض مرة أخرى.. وقرضٌ يَليه قرض، إلى أن نعلن إفلاسنا!

    هذه السيرورة تدفع البلاد إلى الهاوية، إلى الإفلاس.. فماذا نقصد  بإفلاس الدولة؟ وما هي تداعيات ذلك على مستقبل الاقتصاد ؟

    يُــتبع ..

    يسعدنا استقبال تفاعلاتكم وردودكم وتعليقاتكم على سلسلة تدوينات الاقتصاد من خلال خانة التعليقات أسفله ؛ أو عبر بريد المدونة [email protected]ablog.com

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *