حقيقـتُه بين المـاضي والحـاضر

عن شعورٍ نبيل يقتحمُ كـل القلوب

اقتحَمَ المجتمعات، نصَّب نفسه وَلِيّاً عليها.. احتلّ الشعوب وجعل أفرادها خُدَّاماً له متعطشين للقائه فضلا عن امتلاكه؛ ذلك هو المسمى بـ”الحب”. فَحَظِي باهتمامٍ لم يحْظَ به ملك ولا زعيم من قبل، ذلك أن طاعته ما كانت مُرادهم ولا غايتهم وإنما الظفر به كان كذلك، فأضحى محطَّ أطماع الصغير كالكبير، صُوّبت نحوه الأعين وتشابكت حوله الأيدي كُلٌّ في سبيل الحصول عليه، بالرغم من كونه ليس حديث النشأة ولا وليد التكنولوجيا، بل هو قديم قِدَم الإنسان.

تقرؤون أيضاً على مدونة زوايـا

قديما كان يُحيل إلى مجموع القيم والمبادئ النبيلة والسامية من محبة ومودة ورأفة تنشأ وتنمُو بين طرفين تجمعهما علاقة قرابة، أبويةً كانت أو زوجية، فعاش في كنف هذه العلاقات سنينا معززا ومُكَرَّما إلى أن أغواه إبليس فأخرجه من نعيمه هذا كما فعل بآدمَ وحواء في الجنة. 

ولم يتوقف عند هذا الحد فحسب، بل تجاوزه بكثير فجعل منه سلعة رخيصة يبتاعه من هَبَّ ودَبَّ ويطمع الجميع في الحصول عليها، فكان أولُ المشترين وأهمهم منتجوا الأفلام وكُتَّاب الروايات الذين استغلوه شر استغلال وكأنهم اتفقوا مع إبليس لجعله في الحضيض، فاتخذوه عبدا لأفكارهم ليصبح بعدها سيدا لهم؛ مَشاهد الأفلام تخدُمه وسطور الروايات تحكي عنه، فالأولى أبانت عن مدى قوته وجبروته والثانية أظهرت جماليته كإحساس ماعاش من لم يجربه. هكذا إذن أصبح الكل يبحث عنه أينما حل وارتحل متعطشا له، وما إن يرفرفَ قلبه وإن كان لِخطر مُحَتَّم، ظنه هو، جاء بنفسه طارقا بابه راجيا منه أن يفتح، وما إن يصدق هذا الوهم الذي زرعته أقوال الروائيين وحورات الأفلام في مخيلته وجعلته يصدقها، حتى تجده غاصّاً في أحلام اليقظة، أحلامٌ صعبة المنال لكنه ظن أنها سهلة التحقق فما وجد غير طريقين انبثقا أمامه من فراغ، أحدهما تتصدره لافتة مكتوب عليها بخط عريض ” الفاحشة”، أما الثاني فمن سلكوه أخبرونا أنه يقود إلى الدمار والهلاك دون سواهما، ذلك أن ما مصير الوهم غير ذلك.

لكن لوم هؤلاء ظلمٌ لهم، فإن الأحق باللوم والعتاب هم من زينوا الحب وغَلَّفوه بغير حقيقته وقدموه للعموم على طبق من ذهب، ذلك أن في زمن غير زماننا هذا، حين كان الحب نُبْلا وشَرَفا، ما كان يجرؤُ أن يغادر باب بيته وأن يفترق عن أصحابه وما كان أحد قادرا على الاعتراف به ولا احتضانه خارج شرع الله الواضح في العلاقات السالفة الذكر وما عداها؛ إلا أنه في زماننا هذا الذي انقلبت فيه الموازين ظن مُزامنوه أنه سهل المنال، بَيْدَ أنَّ الحقيقة التي لا يمكن السكوت عليها هي أن ما سبق الحديث عنه ما هو بِحُب، وإنما وهم وضياع؛ فالحب أساسا ما كان ولن يكون سلعة تباع وإنما شعور نبيل يشمل مجمل المشاعر السامية الشرعية التي يرضاها الله ولا تقود سوى للتآزر والتضامن في سبيل التعايش في سلم وأمن، فذاك الذي تناولته المسلسلات والروايات ما هو إلا تمثيل وخداع أتقنوه ليبدو كالحب في شكله إلا أنه الضد في جوهره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *