معشر البشر

عن غريزة الإنسان في البقاء وتعطشه للحرية

تذكرت في لحظة من لحظات شرودي واحدة من أحسن الروايات التي “اضطُررت” لقراءتها خلال سنوات  دراستي في الثانوية، ولعلها من أفضل الروايات التي تعكس عمق الإحساس البشري وتعقيد تركيبه.

فقد أبرع الأديب الفرنسي فيكتور هيجو في رواية “اليوم الأخير لمحكومٍ عليه بالإعدام” أن يسرد ويصف بلغة مختارة بعناية أربعا وعشرين ساعة من التيه يقضيها متهم بين محاكمته وزنزانته ثم إلى ساحة المدينة حيث يُسْرَد آخر مشهد، إعدامه…

نتعرف على القليل من المعلومات المادية على المتهم لكننا نكاد نصرخ لإيقاف ذاك الذعر الذي يعيش فيه… يكاد يقتنع بجرمه .. يعيش الوحدة والخوف، التعذيب النفسي، التيه، الذعر والخجل،  ويتحسس الشفقة؛ يؤمن بقَدَره، يكاد يستسلم ويسامح، ثم يتذكر ابنته، تلك التي ستعيش بقية الحياة بتهمة جرم لم تقترفه، تلك التي ورثت عن أبيها وصمة عار لجريمة لم يقترفها هو أصلا..

ورغم أنني تمعنت في القراءة لأعرف أكثر عن تشعب الأحاسيس البشرية في لحظات تحكمه فيها غريزته في البقاء وتعطشه للحرية، في لحظات لا يملك فيها أي خيار، لحظات كتبت من أجله، إلا أن تساؤلات لا تكف كلما تأملت معشر البشر، ولعل ما دفعني لأتذكر الرواية و” الكونداني”، هو إلا عرض السليط الإخباري لخبر محاكمة المخرج الأمريكي والمتهم الوحيد في ما لا يعد ولا يحصى من القضايا التي رفعتها أعداد مرموقة من الممثلات والعاملات داخل المجال السينمائي الهوليوودي تحت شعار حملة #metoo، حيث يدَّعون التعرض للتحرش الجنسي ومحاولات الاغتصاب وغيرها..

تساءلتُ حينها ما هو شعور Harvey weinstein وهو يحاكم بأقصى العقوبات في سنه السابع والستين!!

تساءلت حينها عن شعور أي متهم داخل قاعة المحاكمة، كيف يقمع مشاعره وأحاسيسه ويقسو بملامحه حتى تكاد تعتقد أنه اقتنع بفعلته، افتخرَ بجرمه وتحمل مسؤوليته، هل يحتله الضمير و يأكل روحه ببطئ فيُكون كرها اتجاه النفس؟ أم أن اللامبالاة تطغى عليه؟ هل يا ترى يصيبه الإحساس بعدم الانتماء وكأنه أصبح منبوذا من الجميع من نفسه حتى كجندي يحارب وهو ضد الحرب أصلا، ليس مقتنعا بفعله لكنه مجبور على الاقتناع؟ هل يحس ياترى بالخجل والضياع ويتردد مرارا في ما سيقوله كما يحس المرء في أول زيارة له للطبيب دون والديه؟

هل يبحث عن نظرة قريب كما يلتجئ نظر الطفل إلى أمه عندما يسأله الطبيب بشعوره وبحدة آلامه كأنها تحس به أكثر من نفسه؟ أم أنه يتغاضى النظر لأقربائه خجلا من نفسه؟ فكم هو شعور مُخزٍ أن يحس المرء نفسه تحت الشبهات، مكشوف ليس بيده حيلة، ينتظر أن يقرر شخص آخر مساره، بعد أن فشل في إخفاء جريمته فلا جريمة هي جريمة كاملة، فعيبنا المحمود نحن البشر أننا لسنا بمثاليين ولا نتقن شيئا كامل الإتقان؛ في عملنا خلل دائما، نترك بصمتنا في كل شيء، لا نقوم بالشيء مرتين متطابقتين أبدا، فتركيزنا ما هو إلا وهمي، لا نتقن النسخ؛ انفرادنا هذا هو ما يجعلنا مرئيين، قوة هي أم نقمة؟ لا أعلم. لكنني متيقنة أنها واحدة من أبرز الصفات التي تميزنا كبشر،

بجانب التناقض والكبرياء… نحن لا نتقن الكمال، متيقنون من ذلك لكننا ندَّعيه ونطمح له دائما.. هذا هو تناقضنا، متطابقون مختلفون في آن واحد، نناقض أنفسنا في كل فعل وحركة ومع ذلك متشبثون بأفكارنا، صحيحة كانت أن خاطئة، كأنها غريزة بقاءٍ من نوع آخر تدفعنا لذلك…

 نفتخر بذكائنا كثيرا، لا نعلم أننا لا نعلم شيئا، قتَلَنا وهم المعرفة ذلك حتى نسينا إنسانيتنا في أول الدرب ومضينا في أزقة هذا العالم، فكِدنا نكون من أغبى كائنات هذا الكوكب، كبرياؤُنا هذا سيفضي بنا إلى الهاوية… نحن متيقنون من ذلك أصلا، ألم أقل أننا متناقضون؟ وأنا مغرمة بهذا التناقض البشري، ولأنني من آل البشر فأعتبر هذا التناقض والكبرياء – وإن أفضى بنا في الهاوية- قوتَنا في الأصل وهو ما يجعلنا مستمرين بالعيش فوق هاته البسيطة، وهو ما أوصل حياتنا وعالمنا اليوم إلى هذا الحال، محمودا كان أم منبوذا… نحن نتناقض فنَدَّعي الكمال ونحن متيقنون من أننا ولو تنقصنا ذرة واحدة فقط سنبقى بعيدين عنه بأميال،  نحشر أنفسنا في وهم، في قوقعة تحمينا من الخارج، من أن يكتشف أحد ضعفنا.. تناقض فطري . 

وإن أردت أن تعرف الناس على حقيقتهم فيجب أن تراهم في لحظة لا يتعرضون فيها لأي قيود، أحرار لا يحسون بالمراقبة.. إنسان وحيد في بيته، تراقبه أنت من نافذة لم يلاحظ أن سِتارتها ظلت مفتوحة بمعنى مغاير، أي أنك تسلب حريته؛ سيتبين لك كالأبله، يضحك، يتكلم، يهرول ويرقص، وهاته الأشياء من أبسط ما سأذكر.. ستكتشف شخصا آخر، حتى الأكثر إيمانا ستراودُه لحظة ضعف وقد يتناسى وجود الخالق لبضع لحظات… متناقضون، مجرد ضعفاء يسيطر عليهم كبرياؤُهم.. المتصوفون هم وحدهم من اعترفوا بذلك. 

ألم أقل لكم ن قبل أني مغرمة بمراقبة البشر؟ لا ليس من تلك النافدة التي لم يلاحظ وجودها أحد، ولا من فوق السطوح .. لا لا، من وسط حياتهم، أراقبهم وهم منشغلون في عملهم، منهارون تعبا على أحد الكراسي، يهرولون في المقاهي بعد مباراة صاخبة، يبكون في الشارع كأنْ لا أحد في الجوار.

بدأ ذلك عندما طالبني مدُرس، ولأني أعاني من نقص في التركيز، أن أحاول ملاحظة أكثر عدد من الأشياء في مشهد معين خلال أقصر مدة ممكنة، بالفعل طبقت التمرين واحترفته جيدا، وجدته مخرجا لي حين لا أريد الحديث حتى وأنا معجُوقة بالأصحاب، وحين يراودني الملل أو ينتهي شحن هاتفي، لم يساعد ذلك في تحسين تركيزي، لا يهم، لكني وقعت في حب الملاحظة والإنصات. أزِل ذلك “الفلتر” الذي يحَوِّل المشاهد إلى عابرة وعادية، تمعَّن، أطِل النظر، وخاصة لا تُشَغِّل خاصية الحكم المسبق تلك.. راقب حديث شاب وعجوز دون أن تكترث لما يقولانه، ركز على نظراتهما، ملامحهما، حركاتهما وساعتَها ستتعمق لفهم ما لَم توصله لك الكلمات يوما.. التواصل البشري، الكيمياء المتبادلة رغم كل الاختلافات.

ثم اصمت وأنصت لهؤلاء الذين اعتدت تجاهلهم وقد أزعجتك أحاديثُهم يوما، لسائق الطاكسي، للحلاق ولمصففة الشعر. .. سترى معاناة من أجل جلب قوت اليوم، سترى الاستعباد في أبهى حُلَلِه، فقد تسمع عن الاستغلال وتراه في آن واحد، وفي نفس الوقت سيسْخَر سائق الطاكسي من سياقة النساء (وإِن كان هو من أخطأ حتى) في حين أن البرنامج المُذاع في راديو الطاكسي يتكلم عن حقوق المرأة، ثم سيبشرك أن النساء في السعودية أعطيَ لهم أخيرا الحق في السياقة… وحمدا لله ها قد وصلت لوجهتك، لاحظ نظرات السائق حين ستسأله عن ثمن المشوار (والحديث) ستتوجه نظراته بخفة إلى يديك التي تكمش فيها النقود، سيطلب ذلك المبلغ بالضبط، نعم هو نفسه الذي لم يقتصد في وعظك قبلها بدقائق معدودة بخطابات عن كسب الرزق الحلال..

ثم اصمت خلال محادثات أصدقائك ومعارفك، سترى حينها أعمق من ما تصورت.. مشاعرُ إحداها متبادلة وغيرها لا، حب مصرح وآخره يتسلل من نظرات خجولة، سترى التضحية، الحقد والبغض أيضا، سترى الوقاحة والغيرة تحكُمُ العديد من العلاقات، وقليلة هي العلاقات الحقيقية التي ستدوم معك بعدها.

سيضحكون ويتنمرون، سيغتابون، هم نفسهم الذين ينشرون منشورات طيلة النهار ضد هاته الأفعال وستفعل ذلك معهم أيضا، ستشمئز من نفسك حين تنخدع بمسرحياتٍ لم يتقن كتابتها شكسبير ولم يَخُطَّها موليير، سترى، براعة تمثيل متقن خالي من الشوائب، كِذت تُصدق، لا بل صدَّقْت… ستراجع نفسك حينها… ستنعزل.. سَتَنْبُذُ نفسك في البداية… ستحاربها ببطئ… ثم ستعود لنفسك… ستصالحها بكل تصرفاتها وأفكارها المغلوطة… ستقرر مرافقتها في رحلة تطوير… رحلة بحث عن النفس الحقيقية. 

هذا الفن، فن الملاحظة لا يعَلمك فقط تحليل البشر، هذا هدف سطحي فقط، بل هدفه الأسمى هو تطهير الذات، ستتعلم أن الفكرة التي تكتسح دماغنا أولا هي في جل الأوقات خاطئة وهذا ليس عيبا فذلك هو ما نشأنا عليه، وما يليه من أفكار هي تصحيح وهي ما اكتسبت أنفسنا خلال تجربة الحياة.

راقب الجمال حتى تجذبه، تأمل لحظة عطف البشر على بعضهم، لحظات ضعفهم فتلك هي الأكثر نقاء، تذكر ابتسامة صغيرٍ وابتسم، ثم غُضَّ الطرف عن البقية، المهم أنك اكتسبت رؤية خالية من الأحكام، حتى وإن كان ذلك عبر تفكيرك الثانوي؛ دعنا نسميه التصحيح المكتسب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *