سؤال الإبداع وأزمة الهوية

محاولة للإجابة


تزخر الساحة الإبداعية بالعديد من المبدعين الشباب الذي يحاولون الغوص في بحر الإبداع من مختلف نواحيه وشُطْـآنه، ويركنون من حين لآخر لإبداعات يجعلونها محط اهتمام، ويحاولون في أغلب الأحيان محاكاتها دون أن تجد في محاولاتهم الإبداعية أيّ لمسة شخصية خاصة بهم تزخر بها نصوصهم أو أشعارهم أو رسوماتهم… ولو أن المحاكاة Memesis ما هي إلا محاولة لا ترقى للعنصر المُحاكى في الأساس، وتعتريها نواقص تجعلها دون المستوى المطلوب؛ أو بالأحرى “لا تصل للعنصر الذي تتم محاكاته مهما بلغ من تنقيح أو حرص شديد على الوصول لذاك المستوى”، على حد تعبير أفلاطون.

ليجد -بعدها- المبدع المبتدئ نفسَه في رحابة الابتذال والتصنع الشديد الذي يظهر من الكلمات الأولى التي ينحتها في إبداعاته. ويبقى السؤال المطروح والباسط لِكفَيّـه في هذه المسألة هو: ما السبيل الذي يجعل من إبداع الكاتب أو الشاعر أو الرسام… مميَّزاً وخاصا به من دون أن ينتابه أي تشابه أو ابتذال؟

إن أول ما ينبغي الحرص عليه -من البداية- هي مسألة غاية في الأهمية، تتجلى في “الاختلاف” فهذه الكلمة تبدو من ظاهرها سهلة ومفهومة، إلا أن جوهرها صعب المنال دوما؛ وخصوصا حينما نصل لحيز التطبيق لنطرح سؤالا على أنفسنا: ما الذي يجعلنا مختلفين ومتميزين؟

فهذا الاختلاف ليس نحن من نحدده في الأساس، بقدر ما تحدده ميولاتنا ورغباتنا اللاواعية. حيث إنّ الإبداع بشتى أصنافه في آخر المطاف تعبير عن ما يكتَنِه دواخلنا وما ينفّس عنا. وهو تفريغ للشحنات اللاواعية النابعة منا، والتي استقرت في أفكارنا دون أن نشعر، وأصبحت تتحكم في سلوكاتنا وميولاتنا دون أن ندري ذلك، وفي مدة ليست بالقصيرة.

لذلك يشكل الإبداع “كل ما هو مستقر في اللّاوعي الخاص بنا، ويعبر عن مكبوتاتنا، ويرتبط بأحداث تركت أثرا فينا وجعلتنا نتغيّر ونغيّر أفكارنا ومعتقداتنا بدون أخذ الإذن منا“، على حد تعبير سيغموند فرويد. إن تميُّزُنا الإبداعي له علاقة وطيدة بمدى إدراكنا وفهمنا لأنفسنا ومحاولة قراءتها من حين لآخر؛ فمتى حاولنا فهم ذواتنا ولو بالقليل سنجد الأسلوب الخاص بنا ونقطة التميز التي تجعلنا نموذجا لا نسخة مبتذلة. فنحن لا ننفي بالطبع التأثير والتأثر، لكن ننفي التقليد والابتذال.

متى حرّرنا أنفسنا من قيودها وفتحنا بوابة مكبوتاتها وبيئتها ومكنوناتها، سنجد فينا الشخص المبدع الذي كان يتحرق شوقا للخروج من قوقعته صوب الانفتاح وتفجير طاقته من كل جوانبها، والتي تشكل لنا فيما بعد إبداعًا موقَّعاً باسم معين، ولو لم يتم ذكر اسم المبدع.

محمد امحيندات

سؤال الإبداع وأزمة الهوية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *