“الإيكو-اشتراكية النسوية في مواجهة الأزمة الحضارية” ج 3

مقالة بحثية للأستاذة الجامعية نسرين بوخيزو

رابط الجزء 1
رابط الجزء 2

المطلب الثاني: أزمة الأيديولوجيات، أو حينما تكون الإيديولوجية ضد الإنسان

إن وضع صدى أمام الاشتراكية والإيكولوجية –وكلاهما أمام النسوية – لا يعني أن التناقض الأول هو القضية الرئيسية المستمدة من نظرية ثنائية الحَدَّيْـن، المجتمع والطبيعة. فقد لا تكون الغاية النهائية في الفكر النسوي هو الاعترافُ الضِّمْني بأهمية التشكيك في النظام الأبوي كنظام للهيمنة السلبية على النساء والشباب؛ بل أن تسير الأركان الثلاثة للبيئية المناهضة للشفافية والمضادة للأبوية، جنبًا إلى جنب ومتوازنة بشكل صحيح، بحيث تكون النتيجة متماسكة أيديولوجيًا، وتعمل وتعبئ وتنتج تغييرات ثقافية واجتماعية.

إذا تأمَّلنا فيما يحيط بنا، سنصل إلى استنتاج مفاده أن معظم الأمور المهمة –حقاًّ- سوف تزداد سوءاً. فالمياه النظيفة، أرصدة صيد الأسماك، والأماكن الطبيعية، الغابات، الطاقة الأحفورية، التنوع البيولوجي والعلاقات الاجتماعية؛ ما هيَ إلّا سلع متزايدة الندرة والتدهور. إن الفجوة الاقتصادية التي تفصل بين الشعوب المتقدمة وغيرها، وبين الطبقات الاجتماعية داخل البلد الواحد، وكذا الصراع بين الأسر الأبوية والأمية، آخذة في الاتساع. كما أن الزيادة الهائلة في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، نتيجة للنشاط البشري، وخاصة في العالم الغني، أو انتشار المواد الكيميائية، تغير التوازنات الديناميكية والمتغيرة للطبيعة التي تشرح وجود الجنس البشري.

هكذا –إذاً – فقد بلغ التغيّر العالمي من النوع الذي يقترح بالفعل تغيير اسم عصرنا الجيولوجي إلى الأنثروبولوجي، لأن الجنس البشري قد ظهر في التشكيل الرئيسي للديناميات الجيوفيزيائية الحيوية للأرض. وهكذا بدأت مقدمة الكتاب الجماعي “مفاتيح البيئة الاجتماعية”[10] الذي حُرر من قبل علماء البيئة في العمل حيث يمكن العثور على مجموعة واسعة من الأكاديميين والناشطين على غرار (يايو هيروي، رامون فرنانديز دوران، مارتا باسكوال، كارلوس تيبو، مارتا سولير، خورخي ريتشمان، أليسيا بوليو…) وعلى نصوص موجزة تعطي مفاتيح لفهم الأسس الأيديولوجية للفكر السياسي البيئي الاشتراكي النسوي.

وإذا كان كارل ماركس اعتبر أن الأيديولوجية الرئيسية أو المهيمِنة لكل دورة تاريخية أو كل مجتمع هي بالضبط أيديولوجية الطبقة الاجتماعية الحاكمة؛ فإنه بهذا المعنى، ليس هناك شك اليوم في أنه على الرغم من الأزمة للليبرالية الجديدة الخطيرة، التي أطلق عليها إغناسيو رامونيه اسم “الفكر الواحد”، فإنها لا تزال الأيديولوجية المهيمِنة. لكن ماركس اعتبر أن البروليتارية الصناعية، هي الطبقة الاجتماعية الموجِّهة للثورة الاشتراكية، التي من شأنها أيضاً أن تخلق وَعْيَها الطبقي الخاص بها أي الاشتراكية، نتيجة للتعايش في نفس الظروف الموضوعية، وتعايش المجتمع الاجتماعي في مجتمع رأسمالي؛ أيْ أنّ الرأسمالية هي التي ولدت الظروف، ليس فقط لخلق أيديولوجيتها المهيمنة، ولكن أيضا لخلق أيديولوجية الرفض اليومي، فبسبب الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي كانت موجودة في العالم في بداية القرن الحادي والعشرين، يعتقد أن الاشتراكية ظهرت استجابة لإيديولوجية النظام الرأسمالي، إذ إنّ البيئة والحركة النسائية ظهرت لمعالجة الاستجابات الأيديولوجية التي تطلّبَتها الأزمة الحضارية.

صحيحٌ أنه في ظل ظروف معينة من الإلحاح، أصبحت الرأسمالية تدافع عن بعض النُّظم السياسية والأيديولوجية المتطرفة وتعززها، مثل الفاشية أو الفرانكية (نسبة إلى فرانكو الديكتاتور الإسباني الشهير تاريخياً)، التي يوجد في داخلها أيديولوجية عظمى قد تشكك حتى في أركان مبدأ جواز مرور”،( دَعْه يمُرّ، دعْه يعمل)، فقد نجدها أيضاً في سياقات اجتماعية واقتصادية طبيعية أكثر توازنا، فقد أصبحت الطبقة الاجتماعية الحاكمة تقبل التغييرات في الهيكل الاقتصادي في تشريع هؤلاء الكُتّاب، بالشعور بالتخلص من السجالات الإيديولوجية، نكون قد دخلنا في فترة يهيمن عليها الطابع التكنولوجي، أو ما وراء الأسس الأيديولوجية، حيث يجب أن تكون القرارات السياسية فعالة ويتم قياس ذلك من خلال حسن الإدارة وإدارة السياسة.

وفق السياق الجديد، والأولوية للمعايير التقنية والبيروقراطية، ووفق الأخلاق والثقافة المهيمنة، بهدف استيعاب أو تحديد انتقادات الأيديولوجيات الأخرى، على غرار الثقافة الإيكو-اشتراكية النسوية، يتم البحث عن الشرعية وتوافق الآراء ووفقاً لنظام فكر أساسي مهيمن .. هكذا، نتوجه نحو سيادة القانون الاجتماعي أو ما يسمى بدولة الرفاهية، التي انتزعها اليسار والنقابات من الطبقات الرأسمالية الحاكمة، وسياسات ومعاهد المساواة بين الجنسين، ووزارات المرأة والإصلاحات البيئية التي اقترحت “استحالة الرأسمالية الخضراءعلى ذكر الاقتصادي البلجيكي، دانيال تانورو[11] ؛ وتعني “أنت توافق على فقدان شيء، بالشيء الذي لا غنى عنه، حتى لا تفقد كل شيء”.[12]

ولكن بالنسبة لأنصار الإيكو-اشتراكية والرأسمالية النسوية كنظام اجتماعي واقتصادي، لم يعد بوسعهم دمج مطالبهم، فإن الفكر الواحد لابد وأن يقبل أن أمامه أفكاراً بديلة. حسب رأي بعض المؤلفين مثل ( د. بيل، ك. بوبر، س. ليبسيت، إ. شيلز أو آرون، وآخرين)، حيث كانت أيديولوجيات القرنيْن التاسع عشر والعشرين عاطفية ورومانسية للغاية، بحيث ولدت التعبئة والثورات، وتضخيم المواجهات بين الأديان والحصول على دعم النُّظم الشمولية. لكن بمجرد أن مر وقت المواجهة الدموية بين اليسار واليمين، وبمجرد التوصل إلى الإجماع الاجتماعي في الغرب، بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت تتراجع هذه الأيديولوجيات؛ حيث تم التوصل إلى منطق ثوري لمعالجة التغيير الاجتماعي، وكان هناك حديث عن صورة أيديولوجية متبقية ومتميزة في كل من مجال الاشتراكية السوفياتية (العالم الثاني) أو ما يسمى بالعالم الثالث. فمن الواضح أن هؤلاء المؤلفين إما لم يعتقدوا أنها ذات صلة أو غير مهتمة بولادة اليسار الجديد في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي [13].

من وجهة نظر “الوظيفية السلوكية”، فإن هذه الأيديولوجية قد أشادت بالتعقيد الاجتماعي وبَسَّطته، بحيث يمكنها تفهُّم القارات النامية أو “المتخلّفة”، ولكن ليس في الإطار السياسي الغربي، بل وفق الخطابات الأيديولوجية للنموذج السياسي الجديد، على غرار الذي ظهر في الغرب بعد الحرب العالمية الثانية، والذي كانت فيه التعددية والتسامح والعقلانية وفق قيمها الأساسية. كما لو أنها انتقلت “وراء الأيديولوجيات” في ثمانينيات القرن الماضي، حيث كانت إيديولوجية “نهاية الإيديولوجيات” بمثابة ركيزة لتأسيس الرأسمالية الشعبية المرتبطة بالطبقات الوسطى الغربية ،و من قبل الحكومات مثل (تاتْشر أو رونالد ريغان). مع ظهور نهاية الإيديولوجيات، عارَضَ مجتمع المعرفة والتقدم في التقنيات الجديدة للنقاش والنضال من أجل ملكية وسائل الإنتاج. اليوم، وفي مواجهة الصراع والعداء بين الطبقات الاجتماعية يُقترح الابتكار التكنولوجي والاجتماعي.

بينما عادت نظرية “نهاية الأيديولوجيات” في وقت لاحق وتعززت من قِبَل فوكوياما، مدير إدارة التخطيط في حكومة الولايات المتحدة بإصداره مؤلفه الشهير “نهاية التاريخ”. فعلى الرغم من أن هذا العمل كان له تأثير كبير بين التيارات الليبرالية الجديدة، إلا أنه تعرّض لانتقادات شديدة من طرف العديد من المؤلفين اللذين اتهموه باستخدامه كأداة أيديولوجية في عهد الحرب الباردة. واتهموه بالرغبة في تغيير معالم النقاش السياسي عن طريق الاحتيال، حيث لا تزال تظهر عوامل جديدة من التطرف والصراع الاجتماعي والسياسي، وبالتالي تظهر مقترحات أيديولوجية جديدة، كما يتضح من ظهور ما يسمى بـ”اليسار الجديد والحركات الاجتماعية الجديدة“، الموجودة في الغرب كما في الشرق والعالم الثالث.

صحيح أنه مع نهاية القرن العشرين –وبصفة خاصة بعد اختفاء الاتحاد السوفياتي والجمهوريات الاشتراكية من بيئته – فإن المنافسة الأيديولوجية بين الرأسمالية والاشتراكية قد ضَعُفَت، مما جعل ذلك ممكنًا، خاصة في الديمقراطيات الرأسمالية والليبرالية من الغرب؛ حيث عاش الإنسان في استقرار أيديولوجي معين، فلا يمكن إنكار أن ثقل بعض الأيديولوجيات المرتبطة بالعنف أو العنصرية أو الحركات الاجتماعية الجديدة أو إحياء القومية، يقابل الانقسامات الإيديولوجية السابقة. فحسب البعض هذا يعني عودة التسييس. فلا يوجد غرب بدون الشرق، فإن ظاهرة “الحرب الباردة” أدت إلى إلغاء السياسة، واستمرار وضع الثنائية القطبية في عدة مجالات، حيث أصبح الوكلاء والأيديولوجيات الاجتماعية التقليدية بالية، في حين برز عملاء جدد للتعامل مع المشكلات السياسية الجديدة والقديمة (الأزمة الإيكولوجية، المجتمع التكنولوجي، المجتمعات الذكورية ، العنصرية والحقوق الجنسية).

يُـتبع ..

هوامش

9- Eccleshall, Robert y otrosIdeologías políticas. Tecnos, Madrid. (1993)

10- Engels, Federico “Los orígenes de la familia, la propiedad privada y el Estado” Ed. Ayuso, Madrid. (1972).

11- Federici, Silvia Revolución en punto cero. Trabajo doméstico, reproducción y luchas feministas. Traficantes de sueños, Madrid. (2013).

12- Fernández Buey, Francisco Crisis de civilización” en “La(s) crisis. La crisis capitalista enencrucijada. Papeles de Relaciones Ecosociales y Cambio Global. Nº 105. Madrid. (2009).

13- Frankel, Boris “Los utópicos post-industriales” Ed. Alfons el Magnánim. Valencia(1989).
14- Fukuyama, Francis”El fin de la Historia y el último hombre”. Planeta, Madrid. (1992).

“الإيكو-اشتراكية النسوية في مواجهة الأزمة الحضارية” ج3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *