الذكريات

للذكريات تجاعيد، تماما كالسنين، لكنها تسكن الأرواح لا الوجوه

على وقع هطول المطر في فصل الشتاء ووقت انسياب قطرات المياه على تربة الأرض، يأتيك حال السكون والهدوء والرضا وكما الرغبة في الكتابة، في التعبير وفي الإفصاح بغير ما وسيلة طرقت باب خيالك، كمايخيم في فكرك أثناء هذه الأجواء من موسيقى ماء الحياة…

ذكريات شتى تربط حالك بالماضي القريب أو البعيد حسب الحالة النفسية، ذكريات لا تحتاج منك فواصل لتكتبها أو إمعانا حتى تستصحبها معك حال ذهابك فهي معك تغدو إلى منتهاها كما منتاهك لتستبين بها وعلى ضوء منارتها المتوهج شعاع سناها السبيل القويم، فتصير تلك الذكريات عاملا بناءا فيك وفي حياتك، بل وتصبح هذه الأعراس المطرية إطارا جماليا يساهم بشكل أو بآخر في استحضارك لتلك الذكريات التي أنشأت على غرارها منشوداتك وطموحاتك، فصيرتها من حالها السلبي إلى آخر إيجابي أغنيت به نفسك وتقدمت به كخطوة في هدف يصيب آخره حول معرفتك لنفسك كنفس بشرية، لاتخلو من العيوب، كما تمتاز بمميزات.

إن الذكريات هي حاصل لحظات حياتك فمع كل زفرة تتولد ذكرى ما، ومايصنعها هو حالك إزاء كل لحظة في حياتك، ولتعلم أن الذكريات وفعل تذكرها لشيء إيجابي حالة استفادتك منها كتجربة، فالضربة التي لاتقتلك تقويك ومادمت سقطت فلن تظل في الأرض، وحتى لو سقطت مرة بعد مرة فلتجعل سقوطك على ظهرك لا على وجهك، لتستبين السماء فتنهض بأمل وصلابة،

والحديث عن الذكريات يبعث فينا من منطوق آخر شعور الحنين والشوق والرغبة في عودة أيام صارت تطلق عليها اسم الذكرى، خصوصا لو كانت ذكريات مبهجة؛ كفرحة اجتماع عائلي، قبس من وحي الطفولة، رحلة سعيدة، فرح النجاح ببطولة أو في المدرسة، بل أكثر من ذلك ذكرى لك مع الله حال تعرفك عليه في بداية سيرك إليه إلى غير ما ذلك من قبيل هذا أو غيره، وكي نخرج مستفيدين من حال تذكرنا لهاته الأواخر، حق علينا إعمال فكرنا وعقلنا في عقد مقارنة عن ماكنا فيه وصرنا إليه، عن ماعشناه ومانعيشه، لنركب بعدها نتيجة ونحصل على خلاصة، تجعلنا نعيش هذه اللحظات الجميلة مرة أخرى في قالب مغاير للسابق، ولما لا أفضل منه.

وتبقى هناك ذكريات عالقة فينا خيم عليها طابع السلبية كذنب سابق أو موقف كنت فيه ظالما أو مظلوما أو ذكرى مؤلمة من فقد حبيب أو قريب؛ فقده حيا كان أم ميتا أو أي شبيه مما قد ذكر، والحال هنا يختلف فإما أن يرتابك وسيرتابك شعور الأسى على ماقد فات وتبقى منحصرا في هذا الأسى، وإما أن تحول هذه الذكريات بعدما
أن تمر بحال الحزن إلى ذكريات إيجابية لا أقول أن تسحرها، لتصير كلها ذات وقع محفور، لكن أن تصيرها إلى حال الرضا وأقصد بالرضا قبولك لها، فإن كان ذنبا تقبله وتسامح نفسك، تسامح مافعلت، تتقبل ذاتك، وتخطو خطوة توبة، وتدخل في إطار التعافي من أثر الذنوب، وإن كانت تجربة بئيسة تحاول أن تستفيد منها على أساس تجنبك لشبيهاتها حالة أنك قد امتلكت مناعة ومولدا مضادا لا يبعثره أقوى فيروس.

والحديث حول الذكريات يطول ولايكاد ينتهي لكن مانعلمه جميعا أننا مالكوا لحظة الآن وأن الذكريات محض لحظات؛ فلنصنع إذن حياة تملؤها الذكريات العظيمة.

الذكريات