fbpx

“خوارزميات الويب”.. نسفٌ للهوية وضرب في القيم

هل نجحت خوارزميات الويب -ويوتيوب بصفة خاصة- في ضرب القيم والهوية؟

حتى بداية الألفية الثالثة، لم يكن استعمال الإنترنت يثير أيَّ إشكال؛ فاعتماد هذا الأخير آنذاك وقبل ذلك بعقود كان جِد محدود إن لم نقل أنه كان حِكرا على أشخاص معينين وفي مجالات دون أخرى، وفي أغلب الحالات كان استعمال هذا الأسلوب الجديد من العمل – استعمال الإنترنت – يتم في أمور ذات طابع علمي محضٍ أو لتسهيل معالجة بيانات كانت تتطلب في السابق جهدا ووقتا كبيرين. أما الآن، فلا يختلف اثنان على أن الإنترنت أصبح يطرح إشكالات كبيرة تنجلي من كثافة توظيفه في جميع مناحي الحياة؛ فالإنترنت بات الطريق السهل والمُختصر لبلوغ مقاصد عديدة. 

الكل يعلم كذلك أنه، وبفضل الإنترنت، ظهرت العديد من المنصات والمواقع؛ فالإنترنت كان دائماً أوكسجين عمل هذه المواقع وسبب التفكير في تأسيسها، وهذا الأمر في حد ذاته لا  يشكل أي خلل. وإنما يكمن الخلل فيما أضحت تقدمه هذه المنصات والمواقع من محتويات وكيف أصبح مؤسسو هذه المنصات يضُخون فيها برمجيات تعمل بذكاء كبير يكاد لا يُصدَّق، إذ يعمل على تصويب استعمال الأشخاص لها، وبالطبع أصبح صناع المحتوى على هذه المنصات يتهافتون لإرضاء هذه الخوارزميات ومحاكاتها بما يتوافق معها ويضمن في المقابل نجاحهم في بلوغ الاستفادة القصوى من الموقع. حتى إن أغلب رواد هذه المواقع وفي سبيل الحصول على الربح الذي غالبا ما يكون ماديا، أضحَوا يتنازلون عن قيمهم ومبادئهم في سبيل إرضاء هذه البرمجيات التي لا تكف عن الطلب كلما استُجِيب لها.

إذن، هل نجحت خوارزميات الويب بصفة عامة ويوتيوب بصفة خاصة في ضرب القيم والهوية؟ 

قبل الإجابة على هذا السؤال لا بدّ من إعطاء تعريف بسيط لمصطلح “خوارزميات”. 

الخوارزميات هي مجموعة من العمليات والخطوات المرتبة بعناية تسمح للجهاز الرقمي الموضوعة به مثلا بتلقي الأوامر وحل المشكلات، ويمكن التعبير عنها كذلك بأنها سلسلة من التعليمات الواضحة لا وجود لتفسير ذاتي بها؛ فهي تعمل وفق نماذج مصممة مسبقاً تُعد نفس النتائج في كل خطوة أو طلب معين.

يكفي الآن أن تقوم بفتح هاتفك الذكي وتصفح موقع يوتيوب الذي يعتبر أكبر  منصة في العالم لرفع المقاطع المصوّرة، حتى تنصدم بالمحتويات الرديئة؛ ووجودها ليس غريبا مادام أن أغلب هذه المواقع هي منصات مفتوحة يمكن للكل اقتحامها ودون أي رقابة، بل الغريب هو أن المحتويات غير الهادفة أصبحت تتصدر عدد المشاهدات، وتصنف في خانة ما يسمى بـ  Trending – الأكثر مشاهدة -؛ وأعتقد أنه لا حاجة لوصف أصناف هذه المحتويات فجميعنا نعرف إلى أي حد يسيطر المحتوى التافه على منصة يوتيوب، وفي المقابل نجد المحتوى التعليمي أو التثقيفي والمحتويات الهادفة بصفة عامة لا تشكل إلا نسبة قليلة من مجموع هذا المحتوى، في إشارة كبيرة إلى أن السعي وراء إرضاء هذه الخوارزميات يجر جل مستعملي هذا الموقع خصوصاً الماديين منهم والذين لا يقيمون وزناً للقيم إلى إنتاج محتوى سلبي ضعيف، متصدرين بذلك سباق الظهور.

يقول محمد غنايم، صانع محتوى على اليوتيوب، في مقطع يشرح فيه كيف تؤثر خوارزميات اليوتيوب على المحتوى الهادف أن النجاح في هذه المنصات أصبح رهينا بتصوير شيء جريء أو كتابة عنوان جريء، ثم ترك الأمر لخوارزميات اليوتيوب لتقوم بالباقي. 

هذه الأخيرة تقوم بالترويج للقنوات الناشئة، يتم الأمر بإعادة نشر المقاطع التي تكون نسبة المشاهدة فيها بالدقائق أعلى من تسعين بالمائة. فمثلا لو أنت صاحب قناة حديثة النشأة وقمت بتصوير فيديو جريء ورفعه على منصة يوتيوب ثم شاهد الناس تسعين بالمائة من مدة المقطع فأكيد أن المقطع سيتصدر المقاطع الأكثر مشاهدة. يعني ملخصُ هذه النقطة أنه كلما كنت أكثر جرأة أو أقل حياء أصبحت أكثر شهرة!! وهذا الأمر بطبيعة الحال نتاج مجاراة خوارزميات اليوتيوب.

في تقرير لصحيفة “الغارديان” البريطانية، جاء فيه أن اليوتيوب يتعمّد تدمير صانع المحتوى من خلال الخوارزميات؛ فالأرباح التي يحصل عليها مرتادو المنصة تذهب خمسون في المائة منها لشركة يوتيوب وخمسون في المائة الباقية لصانع المحتوى، فالخوارزميات هنا تتعمد إنقاص عدد المشاهدات لتجبر الشخص على نشر محتوى أكثر جرأة وأكثر تصنعا وأكثر جذباً للانتباه، هذا الأمر يجعل صانعي المحتوى يُقدِمون على فعل تصرفات غير معقولة ومنافية للأخلاق والقيم والتخلي عن مبادئهم. 

لــكن أ ليسَ للمُشاهِد دورٌ في زيـــادة إنتاج المحتوى التافه ؟     

لا يمكن بأي حال أن نغفل دور المشاهد في التشجيع على إنتاج المحتويات الرديئة، فالطرف الثاني في عملية صنع المحتوى هو المشاهد، وعليه فإذا كان المشاهد أكثر وعيا فلن يُقْدِم على مشاهدة ومشاركة المحتويات غير الهادفة لأنه يعلم يقينا أن الأمر سيزيد من انتشارها على حساب  المحتوى الهادف، وبالتالي المساهمة بشكل أو بآخر في التشجيع على إنتاج هذه التفاهات، أي المساهمة تلقائيا في مجاراة الخوارزميات، المتهمِ الأولِ في صنع المحتوى السلبي.

نجيب بحاجة

ختامًا، يمكن القول أن خوارزميات الويب ليست مجرد ذكاء اصطناعي، إنها حقاً نسفٌ لأساس الثقافة الحقيقية وضرب صريح في الهوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله