fbpx

سنوات الضياع

حول تهميش الشباب و ضياع حقوقهم

سطعت شمس السنة الجديدة؛ سنة أرقامها على ما يبدو متشابهة، نرجوها من صميم القلوب سنة غير متشابهة وغير قاسية كسابقتها التي انتظرنا أيامها أن تنتهي بكل تفاصيلها ! والسبب هو أنها لم تحمل أي جديد في ثنايا حياتنا اليومية، ولا أُفُقا نستشرف به الغد الذي نتمناه. بل كانت كغيرها من السنين العجاف، نسرد مساوئها أكثر من محاسنها، سنة تضيع فيها المصلحة العامة وتذوب في المصلحة الخاصة، سنة فاشلة بامتياز…

وقد ودعنا السنة المشؤومة واستقبلنا بحفاوةٍ رحبةٍ وبضيافةِ الكريم السنةَ الجديدة ، لابد من طرح بعض الإشكالات التي تثير الدهشة نوعا ما: ألم يظهر بعد ذاك المشرع الهمام، الباسل، الشجاع، الواعي بالتوجهات الناجحة القادرة على إخراج هذا الشعب من براثن الفقر والجهل والتناحر المادي والمعنوي؟! القادر على صك قوانين تصب في السياسات البشرية الكبرى، السياسات الكونية التي تنقذ البشر والشجر والحجر…؟ ألم تستيقظ بعد ضمائر المسؤولين المتلهفين لتشريع قوانين محدودة الرؤيا، وتغييرها بأخرى تتجاوز الصراعات اليومية البسيطة المتجلية في قضية “رأي” هنا أو “قوت يوم” هناك؟ أين نحن من إبداع قوانينَ تواجه هذا المد الشعبي الذي أصبح واعيا بكل تحركاتكم المكرسة لهذا الواقع البئيس والرجعي؟! 

ألا يوجد فيكم عاقل يسعى جاهدا لصالح بناء مجتمع فيه طبقات متعايشة لا متناحرة، ويتدافع لإنقاذ ما تبقى من أمل في نفوس هذا الشعب المقهور قبل أن يهدم ما تبقى من الإنسانية فيها، ويزرع بذور الحياة من جديد في أرض لم تمت بعد رغم الدمار الهائل الذي تتلقاه كل يوم من سرطانات الإنس، المتجلية في النجاح الفردي والأسري على حساب النجاح الجماعي، واللهث وراء التراتب الاجتماعي والاقتصادي ولَوْ بِبِيرُوقراطية مقيتة ومحسوبية فظة وقاسية. 

أرض خصبة، عطاؤُها لا ينضب، نجني فيها محاصيل جيدة كل عام وعلى جميع الأصعدة، فشباب هذه الأرض يحتل دائما مراتب متقدمة، ويحصدُ جوائز في جميع المسابقات والتظاهرات الدولية والعربية؛ فرغم إمكانيات الشباب البسيطة المحدودة والعصامية أحيانا، إِلا أنهم أبانوا عن علو كعبهم بدون محسوبية أو “باك صاحبي” وهذا خير دليل وأقوى حجة على أن إرادتهم النجاحَ تفتقدُ للقرار السياسي الناجحِ الموجِّه لبوصلتهم نحو الرقي بهم عاليا، وليس الزج بهم في سجون المملكة للأسف الشديد مثلهم مثل المجرمين، فنجد أنفسنا كل يوم متضامنين معهم على تميزهم وعلى الذنب الوحيد الذي ارتكبوه كونهم ليسوا كالدهماء بل مختلفون في كل شيء، فيُعتقلون على اختلافهم، وآخرون لكونهم يزعجون السير العام لحياة الآخرين البراغماتيين الطامحين للسيادة عليهم والذين يعملون على تحويل الشأن العام إلى شأن خاص، يعود عليهم بالنفع وتراكم الملايير والبلايين لديهم، فيتم تلفيق أمور غريبة للشباب.

إننا نتظاهر وفقط بأننا على ما يرام، لكنَّ نُدُوبا عميقة متفجرة بدواخلنا سرعان ما تؤلمنا عند مصادفة وقائع كهذه، فتقلب كل موازين المنطق الذي تتوفر عليه بديهتنا المهترئة؛ حقا إن الحياة غير عادلة، فمهما وصلت لذروتها كي تطل على أنقاض خطواتك التي بُصمت عبر مشوار ممزوج بالدموع، إلا ويلزمك النزول من الجانب الآخر، لأن هناك من يعرقل لك الطريق.

معلوم أن المرء لا يدرك كل ما يتمنى، ولكنه يرجو تحسين أحواله وأحوال من حوله، كما أن السعي الدائم لهدم كل ما يبث الروح في هذه الحياة والمتعلق بالأسرة والمدرسة… هو أكبر خسارة وأكبر غلط مازال يُرتكب سنة بعد سنة من طرف الساهرين على قهر هذا الشعب وتكريس المرض العضال الذي يعاني منه، في حين أن المطلوب هو وضع تشخيص لسرطان البلاد ومحاولة اجتثاثه من الجذور، ليس من أجلنا كشباب اليوم وإنما من أجل الأجيال القادمة؛ هذه الأخيرة التي أصبحت لا تعيش في العالم الواقعي إلا إذا أرادت أن تأكل وتشرب أو تلبي نداء الطبيعة، بقدر ما أنها تعيش في عالم افتراضي يجوب بها العالم، تشاهد عبره بنيات تحتية متقدمة ومؤسسات هائلة ونظاما في الحياة يأسر القلب والخاطر، فتُصدَم بفارق الهوة الشاسعة بين واقعها وآمالها فتسقط في عُرض البحر باحثة عن هذا الأمل وينتهي كل شيء لتبدأ المأساة من جديد وتضيع السنون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله