fbpx

سيغموند فرويد ومحن آخر سجلماسي – الجزء 1

(دراسة نفسية في رواية فؤاد العروي les tribulations du dernier sijilmassi)

لا أود أن أسرف في هذه الدراسة بوضع المضمون العام للرواية، أو أن أوغل في وصفها وتلخيصها، كوننا سنكتشف ذلك بصورة مباشرة عبر تعاطينا مع النص،استنادا على ما جاءت به الدراسات النفسية مع فرويد وغيره، ليس بهدف فهم النص وفقط، ولكن بهدف فهم البنية النفسية التي يشكل النص ثمرة لها. فالنص والمجتمع هو النفس والجسد وكلاهما الأدب، فالنفس تصنع الأدب وكذلك الأدب يصنع النفس، النفس تجمع أطراف الحياة لكي تصنع منها الأدب، والأدب يرتاد حقائق الحياة لكي يضيء جوانب النفس، والنفس التي تتلقى الحياة لتصنع الأدب هي نفسها التي تتلقى الأدب لتصنع الحياة، إنها دائرة لا يفترق طرفاها إلا لكي يلتقيا، وهما حين يلتقيان يضعان حول الحياة إطارا فيصنعان لها معنى، والإنسان لا يعرف نفسه إلا حين يعرف للحياة معنى، وحقيقة هذه العلاقة ليست شيئا مستكشفا للإنسان الحديث لأنها كانت قائمة منذ أن عرف الإنسان وسيلة للتعبير عن نفسه (1).
لم يكتف التحليل النفسي بالكشف السريري الطبي، بل تطور إلى الكشف النصي الأدبي، لكن، غالبا ما نربط التحليل النفسي بالمجال الصحي ونغفل أن منطلقه الأساسي كان عبر رجالات الأدب، ولولا دوستويفسكي لما وجدنا نظريات فرويد كما هي عليه اليوم (2) .
لقد اهتدى فرويد إلى الدراسة الأدبية للتعرف على دواخل الشخوص انطلاقا من المحكي، وأبرز له ذلك مجموعة من الدواخل المستبطنة التي تحمل مشاكل وعقد تستدعي التفكيك والمعالجة، وذلك ما دفع فرويد إلى النظر في السطر وما وراءه la transtextualité
إن إسقاط المنهج الفرويدي على فهم المبدع ومادته له من الأهمية الشيء الكثير، حيث يتم توزيع التحليل عنده على ثلاثة مستويات، محور شخصية المبدع، محور الإبداع ومحور القراءة (3)، بهذا المعنى نكون أمام الكاتب وعلاقته بالفكرة من جهة، وبين الفكرة وعلاقتها بالمتلقي من جهة ثانية، فرواية محن آخر سجلماسي، حسب نظرية التحليل النفسي، ترتبط بهذه الأبعاد الثلاثة، غير أننا قد نشكك بهذا التساؤل، هل يتجلى اللاوعي الروائي في هذه الرواية ؟ هل ثمة حضور للمبدع ؟
نحن نعلم، استنادا إلى الجوانب التاريخية المرتبطة بالكاتب، أنه من أصول مغربية، ترعرع في أرض المغرب قبل أن يهاجر لإكمال مساره العلمي ثم المهني، ولعل موضوع الهجرة، يبلغ من نفس المبدع ما يبلغ، وإلا لماذا يختار الكاتب أرضا تنتمي إلى أرضه، بل لا يقتصر على ذلك، فيختار شخوصا تنتمي إلى ذاته العربية ADAM، وأي دلالة لآدم في نفس الكاتب؟ أليس آدم كتعبير عن الأصل والخلق الأول الذي ارتبط بالجنة؟ لا أظن أن اختيار هذا الاسم هو اختيار عشوائي، إذا قارنا موضوع الهوية التي تعالجه الرواية بهذه التسمية، فهو اختيار إدراكي، يمكن أن نقول هنا، إن الكاتب سخر مكنونه اللاواعي في سبيل الإدراك الواعي بصورة واضحة، واعية جدا.هذا وقد أخذ فؤاد العروي من الملفوظ ما هو تعبير عن لهجة بعينها
(Chouf … je ne veux pas un taxi(4

(5)Ma ykoun bass… Je suis venu te réconforter

وبالتالي فإن جل هذه المؤشرات تدل على حضور ذات الكاتب في الرواية، حضورا واعيا ولاواعيا، واعيا لأن ثمة اختيارات مدركة توضع بتحليل وتسديد للأفكار، ولاواعيا لكون هذا الحضور هو حضور متمثل في الذهن أولا، أو حسب منظور السيميوطيقا، فهو حضور في العالم الرمزي قبل أن يكون في العالم الواقعي، العالم الرمزي الذي يحيا به فؤاد العروي في المهجر، والذي يدفعه إلى التفكير فيه، حسب فرويد، هذا العالم الرمزي، هو عالم غريزي، لا يرى ولكنه دائما يضع الذات في الصراع.
وبما أن نظرية التحليل النفسي تسلم بأن هذه حالة غريزية، فإنها لابد أن تصرف إلى شيء ما كونها رغبات دفينة، وعليه فالمآل سيكون إلى قناة من القنوات التالية :
1 .إما أن تلبى هذه الغرائز بصورة طبيعية .
2 .وإما أن تخضع الغريزة لسلطان العقل الأنا الأعلى ” فيلغي الإنسان التفكير في مثل هذه الرغبات.
3 .وإما أن يحرف هذه الرغبات نحو مجرى آخر عن طريق ما يسميه فرويد بالتسامي أو التصعيد، فيحل محل الغريزة هدف آخر له قيمة في المجتمع (6)
ولعل مفهوم الإبداع حسب نظرية التحليل النفسي ينتمي إلى الحل الثالث، حيث تم تصعيد la sublimation الغريزة لإنتاج تفكير راقي، وهو ما اصطلح عليه فرويد “ التسامي“،وإن داخل هذه العملية الإبداعية تنبه فرويد ونبه إلى كوننا أمام شخصيات فنية ورقية،وهي الترجمة للعملية الإبداعية داخل فضاء نصي محكم، أي الرواية، وكوننا أيضا أمام شخصيات من لحم ودم، مستدعيا في ذلك حضور الكاتب بذاته.
على هذا الأساس ستكون محن آخر سجلماسي تعبيرا عن نفسية الكاتب بالدرجة الأولى وعالمه الرمزي، الذي حاول من خلاله قذف السؤال الجوهري الوجودي، ماذا أفعل هنا؟ (7)

لتتوالى عليه القرارات المفاجئة، ذات الباعث السيكولوجي المحض، الذي أسهم في تغيير مجرى حياته بشكل كلي، وإلا لم يكن آدم السجلماسي ليتخلى عن عمله في الهندسة دون بواعث نفسية واجتماعية شديدة الوقع.
آدم بحمولته التاريخية، التي ارتبطت بالخروج من الجنة والرغبة في العودة إليها، ارتبط أيضا عند العروي بالخروج من أرضه الأزلية والرغبة في العودة، وهو وقوف الذات في مفترق الطرق، بين التقليد والتقريض، أو القديم والحديث كإشكالية سيكولوجية تعشش في التفكير المعاصر، طبعا لا يمكن للرواية أن تسرد موقفا واحدا، أو حتى موضوعا واحدا بل لكونها واقعا، فإنها تجمع – انطلاقا من أنساق العشيرة المواكبة – التضارب والاختلاف، بين من ينتصر لاتجاه معين وبين من ينكسر له،على هذا الأساس تكون شخصياتها شخصيات تبلغ درجة كبيرة من الوعي، بمستوياتها المختلفة،كما سنرى مع الذات المرجعية في الرواية، آدم السجلماسي انطلاقا مما جاء به شارل مورون في هذا الصدد.
__________________

(1) عز الدين إسماعيل : التفسير النفسي للأدب – الطبعة الرابعة , مكتبة غريب للطباعة , ص (7)
(2) لقد بحث فرويد في موروث فيودور دوستويفسكي وليوناردو دافينتشي أيضا، مستخلصا جملة من الأفكار التي طورها فيما بعد لتصبح تيارا مهما في علم النفس، التحليل النفسي للأدب، فأخرج كتابا بعنوان” التحليل النفسي والفن، دافينتشي – دوستويفسكي “وقد ترجم هذا الكتاب الأستاذ سمير كرم وصدر بلبنان.
(3) المقاربة السيكولوجية للأدب،مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة- المملكة المغربية/ 2010
(4) Fouad Laroui, les tribulations du dernier Sijilmassi / Julliard – paris 2014 p 13 .
(5) Les tribulations du dernier Sijilmassi. P 92 .
(6) فرويد، خمسة دروس في التحليل النفسي، ترجمة د. جورج طرابيشي. دار الطليعة والنشر. الطبعة الأولى 1979 ص 64 .
(7) Fouad Laroui, les tribulations du dernier Sijilmassi / Julliard – paris 2014 p 6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله