فتاة مختلفة

وفي الخامسة من عمرها، بدأت تكتشف عالمها، علمت أنها ابنة ذاك الأب المحافظ وتلك الأم البدوية، علمت أن أسرتها ليست ككل الأسر، علمت أنها ستكون مختلفة، لن تكمل دراستها ربما، لن تستطيع ارتداء ما يجعلها تتمتع بطفولتها ولا مراهقتها، لن تستطيع الخروج مع صديقاتها فالقانون في العائلات المحافظة يمنع خروج الفتيات لغير الضرورة. 
كانت محرومة من أبسط الحقوق، عاشت في عالم أسود بدأ يخف سواده بعد أول يوم لها في المدرسة، كانت الوحيدة التي ترتدي حجابا والأخريات رؤوسهن مزينة بالظفائر والدبابيس، كانت هي الوحيدة المختلفة، وكانت تعلم أن هذا ما كان ينتظرها، فقد مر هذا السيناريو سابقا في مخيلتها الصغيرة. ربما كانت قوية شيئا ما، تنزع حجابها في القسم كي تتمتع بظفيرتها وتحس بذاك الريح يدغدغ عنقها حين تركض مع صديقاتها، ثم في طريقها إلى البيت تعيد ارتداءه…
مرت الأيام على هذا الحال حتى انتهت المرحلة الابتدائية، هي الآن في الثانية عشر من عمرها، بدأت أمها تلمح لها بأن الزواج هو حصن كل فتاة، اختارت أن تكون متفوقة في الدراسة عسى أن يقيها هذا من قرارات أمها… استطاعت أن تكمل دراستها رغم أن كل ما يروج في محيطها هو الزواج “كلهن تزوجن بقيت أنت الوحيدة.”.
حصلت على البكالوريا بمشقة الأنفس.. لم تحظَ بفرحة الحصول عليها على غرار صديقاتها، فكل واحدة منهن ستتوجه إلى مدينة لتكمل مسارها الدراسي، إلا هي، أحَسَّت أنها في نهاية الطريق، أحَسَّت أن كل ما فرت منه في السابق أصبح قريبا منها اليوم. لكنها استجمعت قواها، وقررت أن تواجه والديها فهي لم يعد لديها ما تخسره. تقدمت نحوهما قائلة: “سأكمل دراستي في مدينة أخرى كباقي الفتيات فأنا أيضا أريد أن …” ، أكملت أمها الحديث “أن تصبحي كتلك التي تنام نهارا وتكمل دراستها ليلا في إحدى الحانات”؛ شيء ما غصّ في قلبها، هل التقاليد والأعراف تجعل أمك تشكك في شرفك وعفتك، أم أن ذاك مجرد عذر لكي تجعلك ترضخين لقرارها وتَقبلي الجلوس في المنزل وتعلم الطبخ وبعض الأكلات كي تكوني محط أعين تلك العجوزات اللواتي يردن زوجاتٍ لأبنائهن… لم يدم خطاب الأم كثيرا، فقد نطق الأب بكلام لم يكن في الحسبان: ” فليكن الأمر كذلك، شرط أن تكتري غرفة مع ابنة فلان، فسُمعتها طيبة، والكل يتحدث عنها”… بعد هذا الكلام أحَسَّت ببرد خفيف يكتسي قلبها وكأنه يطفئ برفق ذاك اللهيب الذي يلتهم جوفها لسنوات… وكأنها ذاك الطير المسجون الذي لم يحظَ بالحرية يوما. أحَسَّت أنها تستطيع رسم أحلامها اليوم بدون مانع. 
ستلج الحياة الجامعية، وستستطيع الخروج مع صديقاتها، ستشتري ملابسا لطالما حلمت بارتدائها… لكن فرحتها لن تدوم كثيرا؛ فما هي إلا أشهر قليلة حتى بدأت أمها بإعادة نفس الأسطوانة، كابوس الزواج سيظل يلاحقها، فكل ما تخاف منه أمها هو أن تملك بنتا عانسا، وعن أي عنوسة تتحدث وابنتها لا زالت في العشرين. في كل مرة تقاوم فيها الفتاة، حتى استطاعت نيل شهادتها الجامعية..
ستعيش بعدها عاما من البطالة، عامٌ من الويلات. ففي كل مرة يأتي عريس ترفضه، فتردد أمها تلك المواويل التي تزرع في النفس إحباطا وحزنا… هي لا تأبه لكل هذا فكل ما تريده الآن هو عمل واستقرار مادي يُتَوِّج مسارها الدراسي الذي كان حافلا بانتقادات الأم والمحيط العائلي. 
هم بالأمس يرونها كفتاة ستندم في آخر أيامها عن كل ما عزمت فعله، لكنها اليوم حظيت بذاك الحلم الذي كانوا يظنونه مستحيلا، هي اليوم مستقرة ماديا، وزميلها في العمل، ذاك الذي يحضر فنجانا في كل صباح ويفاجئها بالهدايا في كل مناسبة سيصبح زوجها… زوج ليس كأزواجهن التقليديين، لأنها كانت مختلفة!
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *