أضغاثُ أحلام

لستُ أدري كيف صِرْتُ إلى ما صرت إليه، كأنّي استيقظتُ لتوي من حلم غريب، حلم وردي مائل إلى السواد، أو أسود مائل الى البياض، حلمٌ تختلط فيه الألوان، فلا أُميّز منها إلا رمادياً، يستحيل تارة إلى نور ساطع، وتارة إلى ظلمة عتمة.. أفتح عيناي، فلا أجد من بقايا الحلم إلا ذكرى، ولا أرى منه إلا خيالاً!
كنت قد قرأت مرة أن الحلم رحيلٌ وعيش في بعد آخر، اِنْسَ ما قاله فرويد، اِنْسَ ما قاله أستاذ الفلسفة المخبول، كيف تصدق ذلك الأصلع الأربعيني السكير الذي يلحد تارة و يتصوف أخرى؟ ألا ترى حجم التناقض البادي على سيماه؟ كيف يسألك عن مفهوم السعادة وهو يدعى “سعيد”؟ وكيف يدعى “سعيد” وهو يعلم يقينا أنه ما عرف السعادة يوما؟ أوليست قنينة الخمر تلك كفيلة بجعل “سعيد” سعيدا حقا؟! آهٍ تبّاً، حتى في مناجاة النفس أمارس التفلسف، لقد صار جزءا من حياتي.
إنّ كان لهذا الأصلع الأربعيني السِّكير عليّ مِن فضلٍ فسيكون أن علّمَني التفلسف لا الفلسفة، علمني الشك قبل اليقين، و النقد قبل التسليم، و الفحص والتجريب قبل الإقرار والاقتناع.
على أي حال، أين كنا؟… اه، صحيح، ذلك الحلم، او بالاحرى تلك الحقيقة المعاشة في بعد آخر، الحق أنها أبعاد متعددة، لست أحصيها ولا أعدها، لكن الثابت فيها كان “أنا” (ضمير المتكلم، لا صديقتك الشقراء Anna التي تغازلها طمعا في جنسيتها و أوراق اقامتها، أو قبلة من شفتيها المكتنزتين المحمرتين كأنهما حبتا توت ناضج، و ذلك أضعف الإيمان). عفوا، لست أقصد الاستطراد عمدا، ثم إني لست أعد ما بين القوسين حشوا ولا اطنابا، بل هو توضيح لا بد منه، لئلا يذهب عقلك المثير و خيالك الحاذق إلى معنى لا أقصده ومدلولا لا أرمي إليه، فيحدث بيننا من سوء التفاهم ما يجعلك تسيء فهمي وترمي كلامي بالتفاهة. فلستُ مَن يقبل ذلك، إلا من نفسي طبعا، فهي أعلم بي منك ومني. 
المهم، لقد كنتُ ثابتا في كل هذه العوالم، فحتى في ذلك البعد الذي يغزو فيه الزومبي شعبنا، كنت، كما عهدتني، وحيداً غيْرَ آبِهٍ بما حولي، لم أكن أهتم أن يعضني أحد أولئك الأموات السائرين أو يصيرني منهم، لعل ذلك كان ليجعل حياتي أكثر معنى، ولم أكن أهتم لأبناء جنسي الذين يحاربون بمشقة هاته الهياكل العظمية المكسوة ببقايا لحم لم يتحلل بعد فيصير مواد أو أسمدة عضوية أو أملاح معدنية، لا أخفيك جهلي، فلست أذكر من علوم الحياة والأرض إلا كلمات قد هجرتها معانيها فبقيت خاوية خالية من أي معنى… 
هكذا أنا، وحيد، متهور، وغير مهتم بالحياة من حولي. في البعد الذي من المفترض أن أكون فيه عالم كيمياء، أجدني وحيدا داخل مختبر فيه من القنينات أشكال و ألوان شتى، لا أميز منها سوى تلك الحوجلة و ذاك المدراج، و هذا الكأس المدرج المملوء بسائل أبيض، و تلك الزجاجة، لست أدري ما فيها.. غير مهم، لست آبه لشيء، العلم حقائق كاذبة يكذب اللاحق منها السابق.
ألَمْ يؤمن الناس يوما أن الأرض مسطحة الشكل؟ ألم يصدقوا بعد ذلك أنها كروية الشكل؟ ألم ندرس في المدرسة أنها بيضاوية لا كروية؟ شخصيا لا أستبعد فكرة أن يخرج إلينا عالِمٌ بطرح جديد مفاده أنها مكعَّبة الشكل… لكن صدقا، ألا يمكن أن تكون كذلك؟! ثم ما الضير في أن تكون إهليليجية أو كروية أو مخروطية أو حتى ذات شكل شبه منحرف ما دمت أستطيع العيش عليها؟ (سجل أيضا أنني أناني… بل نرجسي).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *