كورونا والعودة

هل نعود لسابق عهدنا؟ أم أن الكورونا غير مستقبلنا؟

انتابني الحزن والأسى الذي خلفه ملك الأرض الجديد، كورونا، قد لا أكون أحد ضحاياه جسديا، إنما نفسيا؛ لا أعرف، ولا يعرفون كيف يضعون له حدا، حتى من في الصفوف الأمامية لا يقدرون عليه، فبعد صرحه الأول انقسم العالم بين مؤيد ومعارض لوجوده، واشتغلت الآراء ذات الطبيعة السياسية، تترأسها نظرية المؤامرة التي مفادها أن هذا الفيروس مُصَنَّعْ، وجزء لا يتجزأ من الصراع القائم بين الدول الاقتصادية الكبرى، وأن المسألة لا تخرج عن نطاق مسلسل من المسلسلات الهوليودية، الشيء الذي يجعل من الفكرة قابلة لعدة تأويلات، قد تكون صحيحة وقد تكون خاطئة.

حقيقة الحياة في زمن كورونا عسيرة، ففي الوقت الذي كنا كل شيء، أصبحنا لا شيء، مدائن الأشباح يجول فيها اثنان لا ثالث لهما؛ الصمت والهواء، كان لابد منا أن نتخلى طوعا عن حريتنا، علينا أن نتغير وأن نستعد لمرحلة جديدة لها طقوسها وتقاليدها الخاصة، علينا أن نودع الماضي ونبحث عن أنماط جديدة قادرة على مقارعة الحاضر، فكان ذلك فرصة لاستعادة غريزة البقاء، البقاء للجميع وليس للأقوياء، كما يذهب إلى ذلك البيولوجي البريطاني تشارلز داروين في نظريته الشهيرة؛ نظرية التطور.

بعد إعلان حالة الطوارئ في بلادي، لم يكن وقع الخبر عند سماعي له عادياً، فاجأني شعور غريب وكأني في وهم، ولم أهتم للأمر في البداية، وبعد أسبوع بدأت أحس أن الحياة سوف تفقد كل معانيها وتنهار بسبب كورونا، هذا الوحش الضاري، والحال أن الأمر ليس حدثا حديثا في تاريخ البشرية عموما، فالعالم شهد أوبئة، وأمراض قاتلة أبادت مئات بل ملايين من البشر في مختلف الحضارات مثل؛ الكوليرا وإنفلونزا الخنازير، إيبولا، طاعون جستنيان وغيره…

وإن كان هيجل الفيلسوف الألماني في كتابه الشهير “فينومينولوجيا الروح” اِرْتَكَنَ تحليله على جدلية الصراع بين العبد والسيد، فإني سأسلك منحنى آخر وأعتمد جدلية احتمال الموت والرغبة في الحياة، كمنهج أساسي لسَبْر أغوار كورونا الماكر.

في الثلج أو الشمس الأمر سيان عنده، فالعدالة سر أولوياته، والبقاء إحدى تحدياته. فيروس عادل لا يفرق بين الغني ولا الفقير، لا الصغير ولا الكبير، لا الجاهل ولا العارف، لا الفقيه ولا الفيلسوف.

ها أنا أشعر بالقلق لا من الموت، بل من الحياة، من يقدر على مواجهة هذا كورونا الخادع، لا السياسة برجالها، لا الثقافة بمفكريها ولا اللاهوت بأئمته، فمعه لم يعد للعبارات معنى، فلا الطرق تؤدي إلى روما، ولا العلم في الصين، معه لم تعد الجمعة جمعة، ولا الأحد أحدا، حتى العيد لم يعد عيدا، بل الحياة لم تعد حياة، ولم يعد للزمن إيقاع ولا للوجود إمتاع.

هل سأعود إلى الجامعة؟ هل سأعود للندوات والمؤتمرات الوطنية؟ هل سأعود إلى البحر لتتقاذفني أمواجه؟ كم تبقى؟ لا أحد يعلم كم مر؟ الكل يعلم، مع كل ذلك عندي مبدأ ثابت في حياتي، هو أننا حينما نتغير لا نعود أبدا كما كنا، لكن سأعود يوما ما، مهما كان الحاضر غامضا، والمستقبل مشكوكا، إلا أن الأمل باق، والأمل سلاح النجاة.

كورونا والعودة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.