مستنقع تافه

حسنا لننهي الخوض حول الشيخات ولنعد للحقيقة المرة. الأشياء التافهة غالبا ما تنتشر بسرعة فائقة، أسرع من شيخة وهي تحاول أن تقوم بلفة مثيرة للأغبياء الذين يتابعونها وهي ترقص رقصا مجنونا لا معنى له، تأخذ التفاهة مكانها بسرعة قياسية أسرع من الشيخة تيجيفي، بل أقصد قطار تيجيفي؛ يبدو أن كثرة الحديث عن هؤلاء الديناصورات جعل لساني لا ينطق إلا باسمهن. في الحقيقة تعمدت أن أخرج لأول مرة عن النص شكلا ومضمونا، حتى أن الأهل وبعض الأصدقاء ظنوا أنني أصبحت أتعاطى نوعا قويا من المخدرات، فبين ليلة وضحاها تحولت من ذلك الشخص الصارم الذي تملأ الجدية أغلب مواضيعه إلى شخص تافه لا يُفهم من كتاباته الحصرية ماذا يريد وإلى أين يريد الوصول. تعمد صنع التفاهة يريك حقيقة العالم والمستنقع الذي صار يسبح فيه، فالحقيقة المرة التي يعرفها الجميع هي أن من شروط تحقيق وجودك هو أن تتمتع بقدر كبير من التفاهة، كتفاهة أسماء الشيخات التي لا أعرف بأي معيار تُنتقى.
حين يتحمل إنسان كيفما كان مهمة وأمانة عليه أداؤها على أكمل وجه أو التوقف عن ممارستها إن لم يكن أهلا لها، فأن تكون فنانا ممثلا أو مغنيا، رساما أو مصورا، شاعرا أو كاتبا محترفا أو هاويا، يَفرض عليك تحمل مسؤولياتك وتخليص المجال الذي تنتج فيه من التفاهة والسير به بعيدا عن مستنقع الميوعة الذي يتخبط فيه المجتمع اليوم. والملاحَظ أن كل المجالات لم ولن تخلوَ من السفاهة، فمجال الأدب المكتوب مثلا قد مسه شيء من التفاهة في ظل نوعية الجمهور والقراء الذين يتابعونه؛ هؤلاء القراء لا تُثيرهم في الغالب تلك النصوص الجادة التي تحمل قضايا وهموم المجتمع أو تجارب الكاتب التي يمكن أن يستفيد منها غيره، قراء اليوم لا تثيرهم الكلمة الموزونة المختارة بعناية، وإنما يبحثون عن النصوص التي تتشكل من كلمات وألفاظ “هابطة” تشوه أكثر مما تفيد النص الذي تكونه، فمجمل النصوص التافهة التي تكتب بطريقة غير لائقة أو بطريقة جريئة لا تحترم قدسية اللغة هي نصوص مرغوب فيها بشدة لدى القارئ الذي “يبقشش” كثيرا عن تلك النوعية من النصوص التي لا أفكار ولا مضامين تحملها سوى الجنس والتعابير الساقطة التي لا فائدة من توظيفها في مجال الكتابة إلا من أجل البروز على الساحة تحت قاعدة خالف تعرف.
إن الرغبة في الظهور والبروز والحصول على متابعة كبيرة من طرف الآخرين هو شيء سهل المنال، فما دام الإنسان يتقن ويتفنن في صنع السفاهة والميوعة فهو لا محالة سيكون ناجحا على الأقل في نظره هو ومحبي التفاهة مثله. إن أكبر تحد أمام إنسان منتج في مجال كيفما كان نوعه، هو كيفية شق طريق صنع فارقّ وسط العالم التافه الذي لا يعترف إلا بالتافهين، وهي بنظري طريق غير معبدة وصعبٌ المرور منها لكنها تستحق أن يقاتل الإنسان من أجل ترك بصمة ولو صغيرة على مسارها الطويل. الكتابة عن الأشياء المهمة والقضايا الاجتماعية التي تستحق أن يكتب عنه هو ما يجعل الكاتب متميزا عن غيره في ظل التهافت الكبير والتسابق نحو تحقيق السبق التافه، هذا التميز لن يلاحظه من اعتادوا النبش في مستنقع التفاهة الموحل الذي يصعب أن يخرج منه الإنسان بعد أن يغرق فيه؛ وهؤلاء كثُرٌ بطريقة تدخِل الشك والريبة في نفسية الكاتب الذي يرى أن أغلب متابعيه ينتظرون منه السقوط في المستنقع حتى يلتفتوا إليه وإلى ما يكتبه، غير أن الإنسان صاحب المبدإ الثابت لن يسمح لنفسه بالسقوط ما دام محاطا بأشخاص يهتمون به ويثيرهم ما يكتبه وإن قلوا.
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *