ثنائية السلطة والحرية

لم أكن أتوقع هذا الصخب الذي أضحى صداه منتشرا كلما سنحت الفرصة للحديث عن الحرية والسلطة سواء في دواليب وسائل الإعلام السمعي البصري أو وسائل التواصل الاجتماعي، ناهيك عن النقاشات الهامشية في المقاهي والشوارع وبصفة أدق “الفضاء العام”، إنني وأنا أحاول البحث عن سؤال المعنى في مفهوم السلطة والحرية سرعان ما أستحضر ما كتبه ماكس فيبر عن حالة المفهوم الأول والتصنيفات التي وضعها له مستنتجا بأن السلطة تستدعي ثلاثية تقوم على أمرٍ ومأمورٍ وآمر وهي الفرضية نفسها التي أكدها من تلاه من مفكرين بعده أمثال موريس دوفرجيه وناصف النصار … هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن مفهوم الحرية أُعِدَّ أساسا لنقاش لم تتوقف رحاه سواء من قبل مُنَظِّرين كبار كَجُون ستيوارت مل أو فلاسفة انصبت جل اهتماماتهم على البحث عن إمكانية تكريس الحرية ولو استدعى الأمر تجاوز كل الاعتبارات التي من شأنها عرقلة ممارسة ذلك، فزعيم الوجودية” جون بول سارتر” يربط وجود الإنسان بالحرية باعتبار الإنسان غير الحر ليس بإنسان.
وسط هذا الزخم الفكري والفلسفي للمفهومين يُطرح إشكال عن العلاقة بين السلطة والحرية، هل هي علاقة صراع أم علاقة قائمة على الانسجام؟ ولمن تتاح الأسبقية في حالة التعارض، الحرية أولا ثم السلطة ثانيا أم العكس؟ ننطلق من فرضيةٍ تقوم على أساس أن الصراع بين السلطة والحرية قائم لم ينضب، إننا ونحن نحاول أن نعبر على تأكيد هذه الفرضية لامناص من استحضار شئ من التاريخ فالصراع الذي أقامه النبلاء ضد العرش البريطاني في الزمن البعيد لم يكن إلا من أجل تقليص سلطات الملك المطلقة وذلك تحت شعار الحرية في شكل “الماكنكارتا ، الهابياس كوربوس…” ، هذا وتَحضُرُنا الثورة الفرنسية سنة 1789 التي أحدثت قطيعة كلية مع السلطة المطلقة، حيث تم ذلك كله باسم “الحرية”. إذ يظهر بشكل جلي أن من خلال محك الممارسة أن الصراع بين السلطة والحرية قائم منذ زمن بعيد منذ أن وجدت الجماعة البشرية وتنوعت وتعددت، وعليه فإن عنصر الصراع لم يقف عند علاقة الفرد بالدولة بل يجدُ له صدى داخل الأسرة الصغيرة في البيت أي المنزل، كما عبر عن ذلك الأستاذ عبد الله العروي ” ترفع المرأة صوتها في وجه زوجها أنا حرة، ويصرخ ذلك الطفل الصغير في وجه أبيه أنا حر” ليجَسد لنا صورة الصراع الذي يظل قائما يتأرجح بين المد والجزر؛ إذا فالسلطة والحرية في المجتمعات الديمقراطية قطعا أشواطا اتسمت بطابع عنفواني انتهى بمسلمة تقوم على أساس أن الحرية فوق السلطة، هذه النهاية المشرقة جعلتنا نقف متأملين في زاوية معاكسة قصد طرح مدى إمكانية استلهام هذه المسلمة داخل المجتمعات ” المتخلفة” .
قد يثور الاعتقاد أننا إزاء حكم قيمة عندما وضعنا المجتمع الديمقراطي في كفة وانطلقنا في البحث عن المفهومين ” السلطة والحرية ” داخل المجتمعات “المتخلفة ” في كفة أخرى، بيد أنني وأنا أطالع جزءا من كتابات من آمنوا بفكرة الإصلاح وسعوا لذلك خاصة في النموذج المغربي أقف عند التوصيف الذي وضعه علال الفاسي باعتبار المجتمع العربي بصفة عامة والمغربي بصفة خاصة مجتمع منحرف، بينما ذهب المهدي بن بركة إلى اعتبار هذا الأخير -المجتمع- متخلفا.
في هذا الصدد، وددت أن أشير إلى ذلك فقط من أجل فسح المجال لجعل كلمة “التخلف” تتسم ببعض المرونة حتى يمكن استيعابها بعيدا عن الحمولة التي تفيدها نظرا لأن المجال لايتسع لاستحضار جل النقاشات الفكرية التي صبت في تشخيص واقع المجتمعات.
أستأنف القول بأن البعض قد يرجح كفة السلطة على الحرية في المجتمعات المتخلفة بحجة أنها غير مؤهلة لذلك وأن منسوب الثقافة السياسية يبقى ضعيفا داخلها وأن نسبة الأمية وجل المعضلات الاجتماعية تتضاعف بشكل مستمر، هذا ليخلُص البعض الآخر إلى أن المجتمعات المتخلفة لا يمكن ضبطها إلا بواسطة نظام سلطوي قائم على الحكم الفردي المستبد. 
قد يصعب على الإنسان العادي فهم هذا الجدل لكن دعني أوضح لك كيف يُنظَر للحرية داخل المجتمعات المتخلفة، فالحرية هي أن تقوم بأي شيء لتفعيل جل رغباتك ولو على حساب حرية الآخر، وحتى تتضح الصورة أكثر، فالحرية هي إمكانية تشغيل الموسيقى بصوت مرتفع وفي منتصف الليل حتى وإن تطلب الأمر إزعاج الآخر، والحرية أيضا هي الاستمرار في التشهير بأعراض الآخرين وتلفيق تُهَم لهم، والحرية في مجملها ترتبط بتعميم شرب الخمر وكذا فرض شكل اللباس -فأصحاب التنورة القصيرة عندما تتم مواجهتهم من طرف الأصوليين سرعان ما يبررن ذلك باسم الحرية والعكس كذلك- والحرية هي فرض الأفكار وعدم تقبل الحوار وإقصاء الآخر وقِس على ذلك من الأمثلة التي لايسع المجال لإجمالها جملة وتفصيلا.
نستشعر إذا ونحن بصدد عرْض بعض التصورات لمفهوم الحرية على سبيل المثال أن هذه الأخيرة تم إلباسها لبوسا نرجسيا قائما على الفردانية في شكل ” أنا ومابعدي الطوفان”.
تبعا لهذا فمسار السلطة لايمكن فهمه داخل المجتمعات المتخلفة إلا كنتيجة حتمية لممارسة الحرية من جهة ، ومن جهة أخرى تتخذ السلطة بُعدا ماديا يلجأ إليه الكل ولكن بصفة متفاوتة فالأب له السلطة المادية على أفراد أسرته إذ لامجال للحوار والتفاوض في علاقته مع أبنائه، والشرطي سرعان ماينحرف عن وظيفته كلما سنحت الفرصة للهيمنة والتصلب على من هم أقل شأنا منه، أما الحاكم في المجتمعات المتخلفة يتحكم في كل شئ باسم السلطة؛ الشئ الذي تجسده طبيعة النظم السياسية داخل هذه المجتمعات باعتبارها أنظمة سلطوية.
بصرف النظر عن كل ماسبق، يبقى هاجسي هو الانتقال من الحرية كممارسة فردية إلى ممارسة جماعية تضع حدا للسلطة المادية في أفق دعم ارتسامٍ يوطد مبدأ الصراع بين السلطة والحرية على أساس أن الحرية تحد من السلطة. وخارج هذا السياق، ألاَ تُعَد التجربة التي استطعنا أن نلامس جزءا منها في هذا المجال مشوبة بعيب يتمثل في ضعف قدرة المواطن العادي والأستاذ والمثقف أو النخبة إن صح القول للدفع في اتجاه تكريس وترسيخ قيم تصب في عقلنة مفهومي السلطة والحرية ؟