التبراح بين الماضي والحاضر

هل استطاع البراح ضمان استمراريته أمام وسائل التواصل الجديدة؟

كلمة البراح أو أبراح، كلمة أمازيغية تعني المنادي باللغة العربية، وهو شخص يعلن لعامة الناس أخبارا تصدر عن ممثلي الجهات الرسمية سواء كانت سلطة مركزية أو جهة سياسية أو دينية، أو أشخاصا عاديين في بعض الأحيان.

والتبراح هو الإعلان عن أخبار ما بالنداء؛ يكون غالبا في الأسواق الأسبوعية وأمام المساجد والمواسم في القرى، وفي بعض الأماكن التجارية التي تعرف تجمعات سكانية مهمة.

كانت وظيفة البراح هي الإعلان عن القرارات والتوصيات التي ترغب السلطات وبعض الجهات الرسمية إيصالها لغالبية المواطنين؛ ومن بين هذه الوظائف: النداء على التجار لإغلاق متاجرهم بمناسبة بعض الأعياد الوطنية والدينية، أو إخبار المواطنين بحملات طبية أو للاستفادة من الدقيق المدعم، وفي فترة الانتخابات الوطنية وللإخبار بوفاة شخص ما وتشييع الجنازة، كما الإعلان عن التجمعات والولائم وهو ما يسمى لدى المغاربة ب”المعروف” والتي تقام في مناسبات عدة ومختلفة. وفي أحيان أخرى للإعلام بضياع أشياء نفيسة من بعض الناس لمن عثر عليها من أجل استردادها، ويقوم البراح بذلك عند صلاة يوم الجمعة لمدة ثلاثة أسابيع.

فيما يتعلق بالتبراح التقليدي، كان لكل إعلان طقوس خاصة به وعبارات يستهل بها من قبيل“قالكم القايد/ الباشا/فلان…” وتتفاعل الساكنة مع هذا البراح بحيث تتناقل الأخبار التي يعلن عنها بسرعة كبيرة، تماشيا مع توصيته ـالحاضر يعلم الغايب-؛ ولشد انتباه السكان يلجأ البراح إلى عبارة “اسمعوا وعوا” أو بالاستعانة بدق الطبل أو الجرس…

وليس من السهل أن تصبح براحا كما يبدو، إذ يشترط أن تكون معروفا لدى الساكنة وأن يكون الصدق من خصالك من أجل إبلاغ الأخبار الصحيحة، كما يشترط أن تكون ذا صوت جهوري، جميل الهندام، حسن السلوك والتصرف مع غالبية المواطنين، وأن تملك ترخيصا من السلطات المحلية.

البراح أو النفار بأحد الأزقة المغربية القديمة

ويتلقى البراح معلوماته وأوامره من مصادر مختلفة تتباين بين أصحاب القرار؛ منهم أعوان السلطة وأمناء وشيوخ، ورؤساء الجماعات وغيرها من مصادر السلطة، كما يكون المصدر كذلك شخصا عاديا فقد أشياء ثمينة.

وقد وجدت مهنة التبراح منذ عصور قديمة في جميع الحضارات، منها المغربية، ومنذ العصر اليوناني القديم إلى غاية منتصف القرن التاسع عشر حتى بزوغ وسائل الإعلام الحديثة وانتشارها تدريجيا. ونجد هذه المهنة مقننة في بعض الدول مثل فرنسا، بمقتضى قانون 16 فبراير 1834 الذي يقتضي الترخيص من البلدية لممارسة هذه الحرفة.

وإلى جانب التبراح، توجد مهن أخرى مشابهة لعمل البراح ومختلفة من حيث طقوس ممارستها، منها الدلال الذي يتكلف بالتصريح بثمن سلع تجارية عند البيع العلني. ثم النفار الذي يبرز دوره في شهر رمضان من أجل إيقاظ الناس للسحور، أما الهَلال فهو الشخص الذي ينادي لصلاة الفجر، إضافة إلى غيرها من المهن مثل الطبال والغياط.

وبما أن التبراح كان من أبرز وسائط الإعلام والتواصل القديمة، فإنه مع بروز وسائل الإعلام الحديثة سواء المكتوبة أو المسموعة والمرئية، ومع ظهور وسائل التكنولوجيا الحديثة خاصة الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، تراجعت هذه الحرفة بشكل كبير حتى كادت تختفي، باستثناء بعض البوادي التي مازالت متمسكة بها، والتي يقوم فيها المقدم أو المؤذن بهذا الدور. وفي أحيان أخرى، تقوم به السلطات باستعمال مكبر صوت مثبت فوق سيارة، كما هو الحال خلال أزمة جائحة كورونا التي عصفت بالعالم فجأة، إذ لجأت بلديات مغربية إلى التبراح لإلقاء الإرشادات والتعليمات في الأحياء للتحسيس بأهمية الالتزام بالتدابير الصحية للوقاية من فيروس كورونا، وهو ما تداوله رواد منصات التواصل الاجتماعي على نطاق واسع، على شكل مقاطع فيديوهات توثق خطابات بعض ممثلي السلطات والفاعلين في المجتمع المدني في عدة مدن مغربية. ولعل أبرز هؤلاء: القايدة حورية التي لاقت استحسان الكثير من المغاربة، والتي توجت كشخصية سنة 2020 في استطلاع رأي نظمته إذاعة أصوات، تقديرا لمجهوداتها في ظل فترة جائحة كورونا.

وقد تحكمت وسائل الإعلام الحديثة ووسائط التواصل الاجتماعي في مصير هذه الحرفة الضاربة جذورها في التاريخ، واستبدلت التبريح بالإذاعة والتلفزة والصحف وصفحات منصات التواصل الاجتماعي. وتكلفت بنقل أهم الأخبار والمستجدات ووضعها في متناول جميع الناس بكل سهولة؛ وبهذا اتجهت حرفة التبراح والبراح إلى غياهب الزوال، ولم تبق إلا في نطاق محدود.

المصادر:
– http://www.tamatart.com/?p=1760

التبراح بين الماضي والحاضر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *