هل يفضل الله اللون الأبيض؟

" امرأة سوداء"

-الأسود لا يدعو للضحك-
أود حقا أن أعلم بماذا شعرت، عند سماع مصطلح ” امرأة سوداء”، هل بدا لك شيئا عاديا؟ هل ابتسمت؟ أم شعرت بالشفقة؟
إذن افترض أنك سمعت مصطلح “امرأة بيضاء” ماذا تغير؟
ربما في نظرك هذه مجرد أسئلة تافهة، لم يكن من المفترض طرحها، وليس من المنطقي وربما من الغباء التلفظ بها….
لكن صدقني هي أسئلة فرضت نفسها علي وكنت مضطرة لطرحها…
ولدت سوداء، إنه شيء عادي، ما الفرق بين الأسود والأبيض والأسمر؟
هي مجرد ألوان فقط، هكذا هي الرغبة الإلهية أراد الله أن يخلق أناس سود وأناس بيض، كما خلق حيوانات بلون أبيض وأخرى بلون أسود والأخرى بألوان أخرى…
كوني إنسانة سوداء أو بيضاء، هو أمر عائد إلى الخالق، لا يد لي فيه…
لكن….
أثناء المرحلة الابتدائية، وفي إحدى الأيام كان مجموعة من الأطفال ينظرون إلي ويضحكون، تساءلت عن السبب؟ هل في ملابسي ما يدعوا للضحك؟؟
لذلك ذهبت إليهم، بكل شجاعة ، سألتهم بفضول، ما المضحك؟
فنطق أحدهم؟ ” لأنك فتاة سوداء“، وانفجر الآخرين ضاحكين…
أما أنا فلم أضحك، بدا أنني لم أفهم سبب الضحك بعد، لذلك سألت مرة أخرى، ثم ماذا؟
أنت سوداء، وهذا ما يضحكنا
نعم أنا سوداء، وهذا لا يدعوا للضحك هل يعني أن أضحك لأنك أبيض؟
أنا أبيض هذا لا يضح…
كما أنني سوداء وهذا أيضا لا يدعوا للضحك…
أنا أبيض مثل الجميع، اللون الأسود هو اللون الغريب…
غريب؟ هناك الكثير من الناس في العالم بنفس لوني، كيف يكون الأمر غريب؟…
فجأة، لم يعد الطفل يضحك، كما لو شعر بأن مبرره للضحك لم يكن كافيا
لكن الفضول كان ما يزال متشبثا بي، وسألت مرة أخرى؟
ألا تحب اللون الأسود؟
لا أحبه، من ذا الذي يحب الأسود؟
أنت نفسك ترتدي لونا أسود، لماذا ترتديه إذا لم تكن تحبه؟
أنا لا أحب البشرة السوداء…
عدم حبك للبشرة السوداء ليس مبررا لتضحك…
لم أنتظر تعليقه وذهبت، لكنني بقيت أفكر كيف بإمكان شخص أن يضحك بسبب لوني الأسود؟
ومرت الأيام، ومازلت لم أنسى كيف يضحك الآخرون بسبب لوني، لقد كان الأمر غريبا وغير منطقي أبدا بالنسبة لي، لكن لم يتكرر معي ذلك مرة أخرى…
ومع مرور الزمن بدأت أقرأ الكتب، واكتشفت ما يصطلح عليه ب” العنصرية بسبب اللون“، ومن يتعرض للعنصرية هم السود، لم أفهم حقا كيف حدث ذلك، كيف تم إقناع الناس أن هناك لون أفضل من الآخر…
لكن عندما قرأت عن الاستعباد آنذاك، حتى أكون صادقة، شعرت بصدمة حقيقية، كيف تم استعباد السود؟ ولماذا بالضبط السود؟
ما الفرق بين الألوان؟ من أعطى الحق للبيض أن يستعبدوا السود؟
كاد عقلي أن ينفجر من فرط التفكير، سألت أمي ذات يوم، هل سبق أن تعرضت للعنصرية؟
لابد أن سؤالي قد صدم أمي، وبدل أن تجيب، حولت إلي السؤال في رعب، هل عاملك أحد بشكل سيء؟
في ذلك اليوم، خافت أمي أن أكون قد تعرضت للعنصرية، لكنني لم أعرف الجواب، عندما بدأت أفكر وأستجمع ما علق في ذاكرتي، علمت أنني لم أتعرض للعنصرية إلا في ذلك اليوم الذي ضحك مني بعض الزملاء، وواجهتهم..
لذلك أجبتها:
لا يا أمي لم أتعرض للعنصرية، أنا فقط قرأت عنها وأسألك، لماذا أصحاب البشرة السوداء غير مرغوب فيهم؟ هل العيب فينا ؟
العيب ليس فينا يا ابنتي، لا ذنب لنا، إننا لم نختار لوننا على كل حال
ولكن لماذا يصرون على تفضيل الأبيض على الأسود، ما السبب؟
إنه التخلف هو سبب العنصرية، العنصرية لا تكون فقط بسبب اللون بل تكون بسبب الجنس والعرق والمعتقد أيضا…
ولكن لماذا؟ يا أمي كيف أمكن أن يستعبد شخص أسود؟ لماذا الأسود بالضبط؟
بدا أن أمي كانت مرتبكة وهي مثل الجميع لا تدري السبب، وقالت:
لا أعلم حقا، لكن فقط لا تسمحي لشخص أن يكسرك أو يجرحك بسبب اللون، لا تلتفتي لأي شيء من هذا القبيل…
طمأنت أمي بأن الأمر لا يتعلق بشخصي، لكن القضية لم تكن قضية جرح، ولكن كانت قضية حيرة وتساؤل؟ من المسؤول عن التصنيف؟
فتاة سوداء” ليست عنصرية”
لم أنسى أبدا الموضوع، لكنني حاولت أن أتجاهل، لكن السؤال ظل يؤرقني، من المسؤول؟
في المرحلة الجامعية، كان من الجيد أنني التقيت بأشخاص مثلي، يشبهونني في اللون، والجميل أنني لم أتعرض للعنصرية مع أنني كنت أتوقع ذلك …
كانوا ينادونني في فصلي بالفتاة السوداء، وللحقيقة أن الأمر لم يزعجني بتاتا، فقد كنت سوداء ولم يشكل ذلك مشكلا بالنسبة لي، عندما يناديني أحد بالفتاة السوداء أستجيب له بشكل عادي…
في إحدى الأيام، عندما كنا في الفصل، ناداني أحد الأصدقاء بالفتاة السوداء، سمعته الأستاذة فانفجرت غاضبة، متهمة إياه بالعنصرية وعدم الاحترام، كان الأمر غريبا بالنسبة لي، لأنني لم أشعر بالعنصرية إلا ذلك اليوم وليس من طرف صديقي بل من الأستاذة…
لذلك تدخلت مدافعة عن صديقي:
يا أستاذة، أنا أعتذر منك ولكن لا أجد في كلام صديقي أي إساءة لي ولا عنصرية، أنا بالفعل فتاة سوداء وهذا أمر عادي، حتى صديقتنا حسناء نناديها بالفتاة البيضاء ولم نعتبر ذلك عنصرية، يقولون لي الفتاة السوداء لأنني مميزة بهذا اللون…
كانت الأستاذة مستغربة، ربما كانت تنتظر مني أن أشكرها لأنها حسب ما ظنت أنها دافعت عني ولكنها في الحقيقة أساءت لي وللوني، ولم تعرف كيف تجيب…
بعد لحظات، قالت :
لا ينبغي استعمال هذه الأوصاف، جميل ألا يزعجك الأمر، لكن شخص آخر قد يزعجه؟ لكن إذا كان الأمر كذلك فلا بأس، لكن أفضل أن تستخدموا الأسماء، على الٌأقل داخل الفصل…
وتجاوزنا الموضوع، لكنني كنت بالفعل قد شعرت بالعنصرية ليس من طرف صديقي بل من طرف الأستاذة هي من جعلتني أشعر بذلك…
وبقيت أتساءل…

اللهم لا ترنا يوما أسودا-
مررت أنا وزملائي بيوم صعب في الجامعة، وفي آخر اليوم اجتمعنا في مقهانا المعتادة نشرب قهوة ونحاول التقاط أنفاسنا…
وفي سياق الحديث، قالت إحدى الصديقات ” اللهم لا ترنا يوما أسودا كهذا”…و قال الجميع آمين، وكدت أقولها أنا أيضا، قبل أن أنتبه للمصطلح؟ يوما أسودا؟
تابع الأصدقاء حديثهم، لكنني توقفت عند ” يوما أسودا”، الحقيقة لم يكن أول يوم أسمع ذلك، لكن كنت أول مرة أقف عند المصطلح…
لماذا يوما أسودا؟
فاجأتهم بسؤالي، ولأنهم لم يستوعبوا بعد، كررت السؤال…
لماذا لا يرينا الله يوما أسودا يا أصدقاء؟
ص 1: لا نريد أحزانا
أنا: ولكن كيف ربطتم الحزن بالسواد؟
ص 2: هكذا يقولون…
ص 3: حقا إنه سؤال منطقي ما علاقة السواد بالشيء السيء؟
ص2: أنت محقة، لماذا يوم ابيض شيء جيد والأسود سيء؟
ص1: هي مجرد عادات كلامية لا تنم عن أي نية سيئة…
أنا: لكن من أين أصلها، من ربط السيء بالأسود والجيد بالأبيض…
ص3: لا أعلم، ولكن في الحقيقة السؤال مهم…
ص2: أنا لو كنت بلون أسود لطرحت نفس السؤال، وربما أيضا يمكن لشخص أبيض أن يطرح السؤال…
ص 1: أرى أنكم بالغتم كثيرا مع أن الموضوع بسيط، هي فقط مجرد كلمات…
ص2: لا أبدا، كيف تكون مجرد كلمات، إنها عنصرية بحق اللون الأسود…
كان ذلك السؤال الاستنكاري، سببا في أن يحتد النقاش ويطول لساعات ونحن نحاول فهم قضية الأسود والأبيض، وبعد أن كان سؤالا تافها، صار في نظرهم سؤالا منطقيا يستحق أن نقف عنده…
تلك الحادثة جعلتني مهتمة بالموضوع أكثر فأكثر، المشكل أنني صرت أكثر اهتماما بما يتلفظ به الناس بخصوص التمييز بين الأسود والأبيض…

السود ضد السواد
كنا نتناول الغداء في جو عائلي عندما زارنا خالي، هو أيضا أسود بنفس لوني، وفي سياق الحديث عن أحدهم قال خالي:
” بالفعل أنا أحب ذلك الرجل، قلبه أبيض”
كانت صدمة بالنسبة لي، مصطلح جديد، ينم عن تمييز بين الأبيض والأسود وطبعا ككل مرة الأبيض يعبر عن كل ما هو جيد، خالي قال أنه يحب الرجل لأن قلبه أبيض بمعنى رجل طيب…
المشكلة ليس في ذلك فقط، بل في كون قائل الجملة هو أيضا أسود، كان الأمر بمثابة تطبيع، كأنه يزكي أقوالهم، عفوا ليس كأن بل فعل ذلك بالفعل، رجل أسود يعترف بأن الأسود يعبر عن السوء…
أنا: هل قلبه أبيض يا خال؟
تفاجؤوا بالسؤال؟
خالي: عفوا؟ماذا قلت؟؟…
أنا: قلت هل الرجل الذي قلت أنك تحبه لأن قلبه أبيض؟؟
خالي: نعم بالفعل إن قلبه أبيض، أقصد أنه طيب جدا…
أنا: ما علاقة طيبوبته بلون قلبه؟
خالي: ماذا تقصدين؟
أنا: كان من المنطقي أن تقول قلبه طيب، كيف يكون للقلب ألوان مختلفة؟؟
خالي: اممم لا أقصد، هكذا جاء في سياق الحديث…
أنا:ولكن يا خال، ألا يزعجك أن يقول أحدهم لا أحب ذلك الرجل لأن قلبه أسود؟ كيف ربطت الطيبوبة بالبياض؟…
خالي: لقد سمعت ذلك مرارا، لكنه لم يزعجني، ربما لأنني اعتدت على ذلك، لكن أظن أنني سأنزعج من ذلك من اليوم فصاعدا والفضل لك…
وضحكنا…
ولكن، حقا كيف كان بإمكاني يومها أن أنتقد الأبيض وأتهمه بالعنصرية، في حين أن الأسود بنفسه يعترف بهذا التمييز بطريقة أخرى، كيف أتهم الأبيض بالعنصرية والأسود بنفسه يقوم بها ضد نفسه…ما حدث أصابني بالشك، ما حدث جعلني أنبش في ذاكرتي كالمجنونة وأتساءل، لربما أنا أيضا مارست العنصرية ضدنا يوما ما…

هل الله يحب اللون الأبيض؟
كنت في إحدى المحاضرات الدينية، التي تلقيها إحدى الأخوات، وأثناء حديثها عن الحساب ويوم القيامة استشهدت بقوله تعالى:
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ” سورة آل عمران 107
وقال الجميع صدق الله العظيم ، أما أنا فقلت أيضا صدق الله العظيم، لكنني رفعت يدي وسألتها؟
أنا: ما مصير الذين ابيضت وجوههم؟
المحاضرة:” فأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله”
أنا: وما مصير الذين اسودت وجوههم؟
المحاضرة: الذين اسودت وجوههم هم الكفار، ومصيرهم العذاب …
أنا: هل الله يحب اللون الأبيض؟
المحاضرة: كيف ذلك، ماذا تقصدين؟
أنا: لأنه كما قال في كتابه، من ابيض وجهه مؤمن ومن اسود وجهه كافر؟
المحاضرة: ليس بذلك المعنى…
أنا: وما المعنى؟
تدخلت واحدة من الحضور قائلة:
لابد أن الله يحب الأبيض، فمثلا الحور العين قال أنهم بيض..
متدخلة2: أليس هناك حور أسود في الجنة؟
متدخلة 1: الأبيض دائما كان هو اللون الأجمل…
أنا: هذا ربما بالنسبة لك كإنسانة بيضاء، لكنني لا أرى فرقا بين الأبيض والأسود
المحاضرة: إذن مما الضرر إذا كانت الحور بلون أبيض
أنا: لكنني كنت لأكون سعيدة لو جعل الله الحور العين بألوان مختلفة كما جعلنا في الأرض مختلفين…
المحاضرة: هذه مشيئة الله…
انا: وأنا لا أعارضها فقط أتساءل، لماذا ربط السواد بالكفر والبياض بالإيمان…
متدخلة 1: هناك أيضا أحاديث تقول بأن الشياطين تأخذ اللون الأسود، لذلك نتعوذ بالله من الشيطان كلما رأينا قطا أو كلبا أسودا…
خشيت أن يخرج إلي أحدهم بحديث يدعوا إلى التعود من الشيطان عند رؤية إنسان أسود، فخرجت مرددة ” ربما الله يحب اللون الأبيض”
رفعت نظري إلى السماء وسألت الله: لماذا يا إلهي الحبيب خلقتنا سودا، ومع ذلك تربط السود بالكفر؟ هل تحب البيض أكثر منا؟
لم أنتظر الجواب، فأنا لست موسى ليكلمني الله، لكنني كنت من عباده و من حقي أن أطرح السؤال…

-أنا ضد أنا-
لقد كان العالم كله متآمر على البشرة السوداء، ومازلت لم أفهم السبب وراء ذلك، أنا أحب لوني كما أحب الأبيض أيضا، هي بالفعل مجرد ألوان، كيف حدث التمييز السلبي بينهما…
كنت في نقاش حول هذه القضية مع صديقي، وأثناء الحديث قلت بنفاذ صبر:
” أود حقا أن أفهم سبب هذه النظرة السوداوية للون الأسود”
النظرة السوداوية؟
كان هذا سؤال استنكاري من صديقي، لأنتبه لما تفوهت به “نظرة سوداوية“…
حملت حقيبتي وغادرت، وأنا غير مصدقة، أنا غاضبة من نفسي وأتساءل ، هل أنا ضد أنا؟

هل يفضل الله اللون الأبيض؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *