قيادمة مهنة المحاماة

رافعوا من أجل جيل متعطش

▪أقف بداية وقفة احترام وتقدير، و شكرٍ وامتنانٍ وتعظيم، إجلالا لقيادمة مهنة المحاماة المجيدة، على تحملهم مشاق المهنةِ بعناية، وتشبتهم بدلالات القسم المهني برعاية، وأداءهم لواجباتهم المهنية بأمانة، ومحافظتهم على الرسالة تطبيقا وتنظيرا، مرافعة وكتابة، تقاليداً وأعرافاً، فلنا فيكم القدوة والمثال، والمهتدى وأثر الوصول إلى العنان. وبعد،

▪يحكى أنه في الماضي القريب، وفي زمن ليس بالبعيد، كانت رسالة المحاماة شامخة كالجبال بنقبائها وقيادمتها، قديمة كالتراث بأعرافها وتقاليدها، بيضاء مضيئة كالشمعة وسط سواد الليالي، فكانت وسط كل هذه المحاسن متزينةً بمرافعات قيادمتها، بديعة ببديع ياقاتهم، وزئيرِ أصواتهم، وهمة هيبتهم، وسموِ شخصيتهم، وفصاحةِ لغتهم، ومحسنات بلاغتهم، وقوة مواقفهم وتداخلاتهم, وحصانة أقوالهم، تماما كشعراءِ الزمن القديم لغةً، ورؤساء الدول الكبرى شخصيةً، وفصاحةِ المناطقة خطاباً؛

أيام كانت فيها المسطرة الشفوية أصل أصيل، والمسطرة الكتابية استثناء عسير لا يقاس عليه، فكان المحامي يشد مئزره، يحمل صندوق عجائبه ( محفظته)، ويرتدي بذلته، ليُجهز ملفه ويبدأ مرافعته الجياشة، فكان المحامي المتمرن بالتبعية يجلس متعلماً، متشوقاً، مستفيداً، مالئا يديه كلاهما، الأولى بالوثائق الإجرائية، والثانية بمذكرته العلمية التي لا تفارقه، فيُدون فيها تلك المرافعات، ويقتبس الكلمات المعطاءة، والألفاظ الرنانة شكلا، ثم الخلاصات القانونية والتحليلات النصية موضوعا، فثارة يدون مقدمة رنانة من مقدمات المرافعة، وتارة يدون تحليلا لركن من أركان جريمة، وتارة أخرى يدون توجها قضائيا فريدا … وقس على ذلك، ليخرج من الجلسة سعيدا فرحاً مسرورا، تماما كما يخرج الطالب من مدرجات الجامعة بعد حصة شيقة.

أيام كانت تروج أمام المحاكم ملفات كبيرة يرافع فيها القيادمة والمبدعون، فكانت القاعة 1 بمحكمة الاستئناف مسرحا لتفجير المواهب، وفضاءً لإخراج الطاقات وتخّرجِ الكفاءات، واستفادة الأجيال، فيحج المحامون من كل حدب وصوب، ليستمتعوا بمرافعات هيئة الدفاع، كيف لا ويروى أن مرافعاتهم كانت مدرسةً في البلاغة، وعلمًا في الخطابة، وفقهًا في الفصاحة، لغةٌ سليمة، تتخللها شخصية عظيمة وصوت رنان راقي، تماما كصوت أشهر الفنانين، لا فرق بينهما إلا أن الفنان يُخرج الأنغام الموسيقية، والمحامي يتغنى بالقواعد القانونية والفقهية، فيندهش المخاطَبُ لقوةِ المخاطِب.

فإذا كان هذا تُراثٌ نفتخر به، وعِلمٌ يُنتفع به (نسأل الله أن يُكتب في ميزان حسنات قيادمتنا) فإنه اليوم في ظل التحولات الرقمية واتساع نطاق المساطر الكتابية وكثرة الملفات، انقلب الأصل إلى استثناء والاستثناء إلى أصل، فشاعت المساطر الكتابية واتسعت، وقَلت المرافعات الشفوية وانتكست، فحُرِم بالتبعية هذا الجيل الجديد من كل المحاسن السالفة البيان، فاقتبسوا بدعةً سيئة لا أساس لها، وحرموا من سُنةٍ حسنةٍ لها ما لها من تاريخ عريق.

▪فرجاءً يا قيادمة المهنة وأساسها، هذا جيل جديد يناديكم ويشد على أياديكم، يلتمس مساعدتكم، يأمل في رجوعكم، يستنجد بمساعدتكم وتشجيعكم، يطمح في اقتفاء أثركم … فلبوا النداء وأنقذوا جيلا هو والشغف سواء بسواء …

قيادمة مهنة المحاماة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *