الرقابة على دستورية القوانين في فرنسا

تطور و تحديث مستمر للتكيف مع الواقع الشعبي

إن الرقابة على دستورية القوانين ارتبطت بتطور الحركة الدستورية الحديثة التي برزت في أواخر القرن 18م، والتي كان من شغلها الشاغل إرساء دعائم سيادة القانون والحد من الحكم المطلق الذي طبع مجموعة من الأنظمة السياسية، غير أن مسار توطيد هذه الفكرة لم يكن بالسهولة التي تعتقد، لأنها لم تلق القبول والاستحسان في بداية الأمر، بل عرفت مقاومة شديدة بفعل تزامنها مع ظهور بعض الأفكار التي كانت سائدة آنذاك، وتعود البوادر الأولى لنشأة الرقابة على دستورية القوانين إلى عاملين أساسين الأول ارتبط بالعمل الاجتهادي للمحكمة العليا الأمريكية بقيادة القاضي “جان ماريشال” من خلال قضية “ماربوري ضد ماديسون” أو ما بات يعرف بقضاة الليل، في حين أن الأنموذج الفرنسي نشأ بتأثير من الاجتهادات الفقهية، وخصوصا الفقيه النمساوي هانس كلسن، ومع دستور 1958 تم اسناد الرقابة على دستورية القوانين على المجلس الدستوري. فكيف ساهم الفقه في بروز الرقابة على دستورية القوانين في فرنسا؟ وكيف يمارس المجلس الدستوري هذه الرقابة على الدستورية ؟


الفقرة الأولى: نشأة وتطور الرقابة على دستورية القوانين في فرنسا
أسس النموذج الأوربي بفضل الاجتهادات الفقهية، عكس الانموذج الأمريكي في مراقبة دستورية القوانين التي تأثر باجتهاد القاضي مارشال وتبقى أم الاسهامات في نشأة الأنموذج لأوربي تعود للفقيه النمساوي H.KELSEN لكن ذلك لا ينفي وجود فقهاء آخرين ومن بينهم نجد ساييس وهو أحد فقهاء الجمعية التأسيسية والذي اقترح إنشاء هيئة محلفين دستورية JURY CONSTITUTINNAIRE يتم تشكيلها من بين أعضاء السلط التشريعية، ويعهد إليها بمهمة مراقبة دستورية القوانين وإلغاء القوانين المخالفة للدستور، إلا أن هذا الاقتراح رفض بالإجماع من طرف أعضاء الهيئة التأسيسية، وقد نجح sieyes في اقناع واضعي دستور 1799 بقبول اقتراحه السابق، حيث تم إنشاء الهيئة الرقابية التي اقترحها، ولكن بتسمية جديدة مجلس الشيوخ الحامي للدستور LE SENAT CONSERVATEUR، و ذلك لمراقبة دستورية القوانين وقرارات ومراسيم السلطة التنفيذية قبل إصدارها، غير أن هذا المجلس أخفق في أداء مهمته ولم يستطع إلغاء أي قانون مخالف للدستور؛ وذلك راجع لمجموعة من الاعتبارات:
1- أن المجلس لا يمكنه مباشرة الرقابة على دستورية القوانين من تلقاء نفسه؛
2- خضوع المجلس لسيطرة الإمبراطور نابيليون الذي كان مهيمنا على أعضائه فيما يتعلق بطريقة تعيينهم وتحديد رواتبهم وكذا تعويضاتهم، وقد قام نابليون بإلغاء المجلس النيابي LE TRIBUNAT، الذي كان مجلس الشيوخ يمارس الرقابة بناء على طلبه، وبذلك يكون مجلس الشيوخ قد أخفق في القيام بمهمة الرقابة على دستورية القوانين قبل اصدارها.

لكن كتابات الفقيه النمساوي كلسن، والذي يرجع له الفضل في ظهور الأنموذج الأوربي، والذي أكد بدوره أفضلية الدستور على التشريع، وأن ضمان احترام الدستور يتطلب وجود رقابة على دستورية القوانين يتولاها قاضي متخصص، فحسب كلسن أن النظام القانوني ليس نسقا من القواعد القانونية موضوعة في نفس الرتبة، ولكنه بناء يحتوي على طوابق وفق هرم بتراتبية معينة أو عبارة عن طبقات من القواعد القانونية؛ وبذلك، يكون كلسن أول من اقترح نظرية النظام القانوني الذي لا يعتمد فقط على مبدأ الرقابة على الدستورية، ولكن يقوم أيضا على النسق القانوني بأكمله، وبمعنى آخر فإن الأساس النظري القواعد القانونية الأدنى للقواعد الدستورية، والمطابقة تكزن أي تهم مضمون القانون وشكلياته أي تتعلق بمدى احترام المساطر أثناء وضع القاعدة القانونية.

الرقابة-على-دستورية-القوانين-1
ضورة تعبيرية

الفقرة الثانية: الرقابة على دستورية القوانين في فرنسا الجمهورية الخامسة
فقد عهد دستور الجمهورية الخامسة ل 4 أكتوبر 1958 بمهمة الرقابة على دستورية القوانين إلى هيئة سياسية أطلق عليها اسم المجلس الدستوري Conseil constitutionnel ويكون من اختصاصه رقابة دستورية القوانين قبل اصدراها ويتعين على المجلس الدستوري الذي أحيل إليه القانون أن يصدر قراره بشأنه خلال شهر من تاريخ الإحالة، وتخفض المدة إلى ثمانية أيام في حالة الاستعجال بطلب من الحكومة وتقف مدة سريان إصدار القانون عند إحالته على المجلس الدستوري.

أولا : تكوين المجلس الدستوري
يتكون المجلس الدستوري من نوعين من الأعضاء، الاعضاء بقوة القانون والأعضاء المعينون

1- أعضاء بقوة القانون: هم رؤساء الجهورية السابقون وهم أعضاء بحكم القانون مدى الحياة، والغرض من ذلك هو الاستفادة من تجربتهم وخبرتهم السياسية والدستورية التي تم اكتسابها خلال فترتهم الرئاسية. وبذلك، نسجل مشاركة عدد من رؤساء الجمهوريتين الرابعة والخامسة في المجلس الدستوري منذ نشأته سنة 1958، ويمكن نشير على سبيل المثال، إلى رنييه كوتي (René coty)، وهو ثاني رئيس وآخر رئيس للجمهورية الفرنسية الرابعة ( 16 يناير 1954 إلى 8 يناير 1958)، وقد تولى العضوية في مجلس الدستوري ما بين 1958 إلى 1962 تاريخ وفاته ، وفانسان أوريول (Vincent Auriol) الذي كان رئيسا للجمهورية الفرنسية بين 1948 و1953، وقد تولى هذه المهمة بين 1958و 1966 بعد تركه للمجلس بعد خلاف بينه وبين الرئيس “ديجول” في شأن تطبيق المادة 29 من الدستور، وجيسكار ديستان (Valery Giscard d’Estaing.

وبخصوص ذلك، فقد صرح رئيس المجلس الدستوري الفرنسي لوران فابيوس Laurent Fabius، “إنه من الضروري إجراء تعديل دستوري قبل نهاية مدة الرئيس الفرنسي الحالي فرانسوا هولاند ميتران…لوضع حد لتقليد يشمل انتماء رؤساء الدولة الفرنسية الى المجلس بعد انتهاء مهامهم على رأس هرم السلطة التنفيذية”.

2- الأعضاء المعينون: وهم تسعة أعضاء، من طرف كل من رئيس الجمهورية، ورئيس الجمعية الوطنية، ورئيس مجلس الشيوخ بالتساوي، لمدة تسع سنوات غير قابلة للتجديد، ويجدد ثلثهم كل ثلاث سنوات، أما رئيس المجلس فيتم تعيينه من طرف رئيس الجمهورية، وغالبا ما يتم تعيينه من الأعضاء الثلاثة الذي عينهم رئيس الجمهورية، ويكون صوت الرئيس مرجحا عند تساوي الأصوات.
وينبغي الإشارة، إلى أنه لم يرد في الدستور الفرنسي لسنة 1958 ومختلف التعديلات الواردة عليه أي شرط يتعلق بالمؤهل العلمي أو المهني لعضو من بالمجلس الدستوري سواء المعينين من قبل رئيس الجمهورية أو المعينين ممن قبل البرلمان بغرفتيه، إلا أن الدراسات أثبتت أنه منذ تأسيس المجلس الدستوري الفرنسي تمكن أكثر من 11 استاذا في القانون من الظفر بالعضوية داخل المجلس الدستوري وصار المجلس الدستوري يمثل مزيجا بين السياسيين والقانونيين مع تهميش لفئة القضاة سواء القضاء الإداري أو العادي.

ثانيا: اختصاصات المجلس الدستوري
يمارس المجلس الدستوري اختصاصات متنوعة ومتعددة كالاختصاصات الاستشارية كاستشارته من طرف رئيس الجمهورية قبل إعلانه حالة الاستثناء (المادة 16 من دستور 1958) واختصاصات ذات طبيعة إدارية كالرقابة على عمليات الاستفتاء (المادة 60 من الدستور الفرنسي)، والانتخابات الرئاسية (المادة 58 من الدستور)، وأخرى ذات طبيعة قضائية كالبث في صحة انتخاب النواب وأعضاء مجلس الشيوخ (المادة 59)، واختصاصات تهم الرقابة على دستورية القوانين، وفي البداية كانت فرنسا تتبع أسلوب الرقابة السابقة على دستورية القوانين منذ تأسيس المجلس الدستوري، وقد اقترح الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران François Mitterrand في 14 يوليوز 1989 تعديل الدستور لتمكين الموطنين من اللجوء إلى الطعن في دستورية القوانين، وذلك بعد دفعهم بعدم دستورية قانون يمس حقوقهم الاساسية أمام أية محكمة، وذلك على غرار العديد من الدول الأوربية لمن هذا المقترح لم يكتب له النجاح، ومع تعديل الدستوري لعام 2008، ادخلت الرقابة اللاحقة على دستورية القوانين وبالتالي يمكن تقسم الرقابة على دستورية القوانين في فرنسا إلى الرقابة السابقة والرقابة اللاحقة.

1- الرقابة السابقة: تعتبر رقابة سابقة لأن ممارستها تتم بعد التصويت عليها وقبل إصدارها بالنسبة للقوانين التنظيمية أو الشروع في العمل بها بالنسبة للأنظمة الداخلية لمجلسي البرلمان ( الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ)، وهذه الرقابة السابقة إما أن تكون إلزامية أو اختيارية.

– الرقابة الالزامية: تكون الرقابة الزامية على القوانين التنظيمية، لأنها تأتي بعد الدستور في الهرم النظام القانوني، والتي يحيل غليها الدستور على سبيل الحصر، والتي يشترط في اصدارها أو تعديلها }راءات خاصة ومعقدة، ونظرا لكونها تأتي مفصلة ومكملة للدستور ، فإن الدستور الفرنسي يؤكد على الزامية عرض القوانين التنظيمية على المجلس الدستوري للتحقق من مدى مطابقتها للدستور قبل اصدارها (الفصل 61 من الدستور الفرنسي)، كما أن المجلس الدستوري يمارس رقابة سابقة الزامية على الانظمة الداخلية لمجلسي البرلمان للتأكد من مدى دستوريتها قبل الشروع في العمل بها.

– الرقابة الاختيارية: يناص بالمجلس الدستوري ممارسة الرقابة الاختيارية على القوانين العادية قبل اصدارها، وذلك بإحالة من رئيس الجمهورية أو الزير الأول أو رئيس الجمعية الوطنية أو رئيس مجلس الشيوخ، أو 60 عضوا من مجلس الشيوخ أو 60 عضوا من الجمعية الوطنية ( الفصل 61 من الدستور الفرنسي)، كما يمارس المجلس الدستوري الرقابة الاختيارية على المعاهدات والاتفاقيات الدولية (الفصل 54 من الدستور الفرنسي)، وذلك خلال شهر من تاريخ الاحالة عليه، وتخفض هذه المدة الى ثمانية أيام بناء على طلب من الحكومة.

2- الرقابة اللاحقة: كما سبقت الاشارة الى ذلك، فإنه مع تعديل 23 يوليوز 2008 أصبح من حق المواطن الفرنسي إثارة دستورية القوانين، وذلك بالاستناد على مس القانون المراد تطبيقه في دعوى قضائية بالحقوق والحريات التي يكفلها الدستور، حيث ينص الفصل 61 من الدستور الفرنسي في فقرتها الاخيرة على أنه “إذا تبث أثناء دعوى قيد النظر أما جهة قضائية، أن حكما تشريعيا يمس بالحقوق والحريات التي يكفلها الدستور يمكن إخطار المجلس الدستوري بهذه الدعوى التي يفصل فيها في أجل محدد بإحالة من مجلس الدولة أو محكمة النقض”، ويعتبر النموذج الأمريكي من المرجعيات الأساسية في هذا النوع من الرقابة والذي عرف نشأته من خلال قضية “ماربوري ضد ماديسون”.
و في جميع الحالات لا تقبل قرارات المجلس الدستوري أي طريق من طرق الطعن، وهي ملزمة لجميع السلطات العامة والجهات الإدارية والقضائية.


خاتمة:
تبين لنا مما سبق ذكره وبيانه أن النموذج الفرنسي للرقابة على الدستورية وأمام تعرضه لعديد الانتقادات خاصة من حيث تشكيله وغياب العنصر القضائي في أعضائه، بل وتهميش دور القضاء في مرحلة طويلة امتدت من 1958 وإلى غاية 2008 اضطر المشرع الفرنسي أن يعيد الاعتبار للمؤسسة القضائية في مجال الرقابة على الدستورية من خلال الاعتماد على الدفع بعدم الدستورية، فصار من حق المواطن الفرنسي إثارة الدفع بعدم دستورية نص تشريعي أمام جهات القضاء العادي والإداري بمناسبة نزاع يمس مصلحته ومعروض أمام أحد هذه الجهات.


المراجع المختارة:

  • عادل راشق، القضاء الدستوري الأمريكي –بين رقابة القوانين وتحتيم الحريات، غشت 2021، مدونة زوايا منشور على الرابط التالي: https://zawayablog.com/16295/.
  • عبد العظيم عبد السلام عبد الحميد، الرقابة على دستورية القوانين –دراسة مقارنة-، الولاء للطبع والتوزيع، 1991.
  • عمر العبد الله، الرقابة على دستورية القوانين- دراسة مقارنة- مجلة جامعة دمشق، المجلد السابع عشر، العدد الثاني 2001.
    محمد أتركين، الدستور والدستورانية، من دساتير فصل السلط إلى دساتير صك الحقوق، سلسلة الدراسات الدستورية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة لأولى 2007.
  • محمد معتصم، مختصر النظرية العامة للقانون الدستوري والمؤسسات السياسية، نشر مؤسسة إيزيس، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1992.
  • نور الدين أشحشاح، الرقابة على دستورية القوانين في المغرب –دراسة مقارنة-، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الخامس أكدال، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، السنة الجامعية 2000-2001.
  • – Dominique ROUSSEAU, La justice constitutionnelle en Europe, Coll, Clefs politique, Montchrestien, 3 éd, 1997.
  • – Hans KELSEN, Théorie pure du droit, traduction de Charles Eisenmann, Paris, Dalloz, 1962.
  • – https://www.lemonde.fr/politique/article/2016/04/18/laurent-fabius-nous-allons-rendre-plus-accessibles-nos-decisions-et-notre-vocabulaire_4903935_823448.html
  • – Louis FAVOREU, Le modèle européen de la justice constitutionnelle, table ronde de Tenis sur la justice constitutionnelle (13/16 octobre 1993) ATDC, Centre d’études de recherche et publication, 1985

الرقابة على دستورية القوانين في فرنسا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *