قراءة لتاريخ فقه النوازل

ببلاد الأندلس

عرف فقه النوازل بالأندلس تطورات منهجية وموضوعية على مدى ثمانية قرون، وذلك أنه بعد فتح الأندلس انتقل بعض العلماء إلى المشرق ونهلوا من معين العلم على يد الإمام مالك، فرجعوا بزاد وفير نشروه في ربوع الأندلس ونذكر منهم يحيى بن يحيى الليثي، وشبطون، وعبد الملك بن حبيب. وصنفت عدة كتب في المذهب المالكي، كالمدونة والعتبية والأسدية والواضحة.

ومما ساعد على انتشار مذهب مالك تمكين السلطة السياسية له حتى أصبح من المحرمات الخروج عن المذهب، وهو ما أنتج ثمارا معرفية تمثلت في الجمود والتعصب والتقليد. لكن ما لبثت الفتنة السياسية أن  نشبت في الأندلس ابتداءً من القرن الخامس الهجري، فذاق العلماء الأمرين من الاضطهاد والتهجير، فاستنجدوا بالدولة المرابطية التي أعادت الاستقرار لهذا الجزء من العالم الاسلامي بعد انتصارهم على ملوك الطوائف سنه 479ه، فعاد النشاط الفقهي والعطاء العلمي خصوصا مع علماء أفذاذ كالقاضي عياض وابن سهل وابن عربي.

الأندلس
صورة تعبيرية

أما الحقبه التاريخية التي امتدت إلى سنة 540ه في ظل الدولة الموحدية فقد تميزت بالرجوع إلى الأصول، وتحفيز النشاط العلمي المبني على الاجتهاد والنظر، وترك التعصب والتقليد، حيث زكت جهود بعض العلماء كابن هشام حين ألف المفيد للحكام في نوازل الأحكام، معتمدا على نقول من المدونة والعتبية، فكان ذلك منعرجا معرفيا مهما في تاريخ الأندلس والمغرب أثمر عدة مصنفات في موضوعات مختلفة لا يزال استثمارها مستمرا إلى يومنا الحاضر.

وتأتي الحقبة الرابعة في هذا الربع الإسلامي حيث كان الصراع السياسي هو السمة البارزة في مصنفات العلماء خلال مدة حكم بني الأحمر، لكن العطاء الفقهي كان مستمرا رغم ذلك، فنجد ابن باق، وابن جزي، وشيخ المقاصد أبو اسحاق الشاطبي. والناظر بعين التاريخ إلى كتب النوازل يجد حركة مستمرة عبر الزمن بعبق السياق السياسي والاجتماعي والاقتصادي ترتب عنها ثروة معرفية وجب استثمارها في مجالات المعرفة كلها.

قراءة لتاريخ فقه النوازل

كمال نابغ

أعمل أستاذ اللغة العربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.