الجندي في عطلة حتى يفشل الدبلوماسي

التاريخ يعيد نفسه

ثنائية الجندي والدبلوماسي

يخضع العالم لحكم شخصيتين اثنتين تتجسدان في الدبلوماسي والجندي؛ فعندما تفشل الحلول السياسية والدبلوماسية يتم تحريك الآلة العسكرية.

ولتسليط الضوء على هذا الموضوع، وجب في البداية تحديد الفرق بين الدبلوماسي والجندي، فإذا كان الأول مهمته التفاوض وإيجاد حلول مرضية للصراعات الدولية والأزمات العالمية بطريقة سياسية ودبلوماسية دون اللجوء إلى القوة والعنف، فإن الثاني يأتي لإنهاء العمل الذي لم يتممه الدبلوماسي أو صعب عليه حله وذلك بالاعتماد على قوته ومعداته العسكرية. ومع ذلك فالإثنان يلتقيان في النقطة التي تتمثل في تحقيق المصلحة والغاية المراد تحقيقها.

وقد سبق للمفكر والاستراتيجي الألماني كارل فون كلاوزفيتز Carl von Clausewitz أن قال مقولة شهيرة في هذا السياق مفادها أن “الحرب هي امتداد للسياسة لكن بوسائل أخرى”؛ هذا يعني أن أي عمل عسكري يقف وراءه هدف سياسي. وبالفعل، بين السياسة والحرب علاقة في غاية التعقيد.

أمثلة من التاريخ

في الواقع يمكن تفسير مقولة الاستراتيجي الألماني كارل كلاوزفيتز بأمثلة متعددة من التاريخ. ففي عام 2020 عندما تم قتل القائد قاسم سليماني من طرف أمريكا والرد العسكري الإيراني الذي تمثل في الهجوم على قاعدتين أمريكيتين في العراق (دون خسائر بشرية)، اعتُبِرت إيران هي الخاسرة في هذه المواجهة بفقدان أحد قادتها البارزين، لكن إذا نظرنا بشكل أعمق ومن ركن استراتيجي وزاوية جيوسياسية، فحقيقة الأمر أن إيران حققت مكاسب مهمة.

صورة تعبيرية

لفهم هذه المكاسب، وجب توضيح شكل الساحة الداخلية لإيران وكذا الساحة الإقليمية والدولية ما قبل مقتل سليماني وما بعده لأن فهم هذه المسألة يتطلب منا تحليلها في سياقاتها الخاصة والعامة والظروف التي تزامنت مع الحدث المدروس.
في عام 2019 كانت إيران تعج بالمظاهرات المحتجة على نظام آيات الله وعلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، على المستوى الإقليمي كانت هناك مظاهرات في العراق تندد وترفض التدخلات الإيرانية في شؤون المنطقة، أما دوليا فقد ارتفعت حدة الانتقادات الدولية نتيجةً لتخلي إيران عن بعض تعهداتها الدولية في الاتفاق النووي الذي وقعته مع الدول الست سنة 2015. وباختصار، إيران كانت متأزمة داخليا وإقليميا ودوليا، لكن وبدهاء دبلوماسيتها استطاعت تخطي العراقيل محققة جملة من المكاسب.

من بين هذه المكاسب انخفاض حدة الانتقادات الداخلية في إطار منطق “لا صوت يعلو على صوت الأزمة الخارجية”(مع الولايات المتحدة الأمريكية)، إقليميا تحولت بؤرة الحديث والغضب في العراق إلى بلاد العم سام وليس نحو إيران وكان قد صوت البرلمان العراقي بأغلبية 175 صوتا دون معارضة لصالح قرار يدعو الحكومة إلى العمل من أجل إنهاء وجود القوات الأمريكية على التراب العراقي، كما انتهزت إيران الفرصة وأعلنت عن خفض جديد لالتزاماتها الدولية التي نص عليها الاتفاق النووي. وبالفعل تمكنت إيران من تحقيق مكاسب سياسية من هذه المواجهة التي نشبت مع خصمها الولايات المتحدة الأمريكية.

الدليل هو التاريخ والتاريخ هو الدليل، فما فتئ الجندي أن يسترجع للتو أنفاسه ويأخذ قسطا من الراحة بعد أتون الحرب العظمى لعام 1914، حتى توصل بإشعار من أجل الاستعداد لحرب أخرى متمثلة في الحرب العالمية الثانية بعد فشل الدبلوماسي في إيجاد حل وسط مع ألمانيا الهتليرية وتوقيع إتفاقية ميونخ في شتنبر من عام 1938 في ألمانيا، حيث سمحت هذه المعاهدة لهاته الأخيرة بضم أحد أقاليم تشيكوسلوفاكيا (سوديتنلاند) وفي المقابل وعظ هتلر بأن يكون هذا الإقليم آخر ما يطالب به أوربا. اعتبرت هذه الاتفاقية مشكلا من أشكال فشل الدبلوماسية ومهدت لاندلاع العالمية الثانية.

ألم تتم إدانة العراق من طرف منظمة الأمم المتحدة بعد غزوها للكويت عام 1990 عبر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 660 وكذا مطالبة صدام حسين بالانسحاب الفوري من الكويت؟ ونتجية لعدم إصغاء العراق الصدامية لطلب المجتمع الدولي، تدخلت أمريكا وبريطانيا لوضع حد للانتهاكات التي يقوم بها صدام في حق الشعب الكويتي.
لكن إذا عدنا ما قبل الغزو بالضبط إبان الحرب الخليجية الأولى 1988-1980 حيث كان الغرب يدعم صدام في حربه على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبعدما قرر الرايس عدم التبعية للغرب وما صاحب هذا الموقف محاولات دبلوماسية لإقناعه بالخضوع وموالاته للدول الغربية، أدى فشل ذلك إلى غزو العراق عام 2003 وإعدام رئيسها تحت ذريعة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل.

الراجح بين حرب الكلام والسلاح

بدون شك المحاولات الدبلوماسية والغزو هدفهم واحد وهو تحقيق مكاسب سياسية بالشرق الأوسط والقضاء على كل من يشكل تهديدا لهم ولمصالحهم الاستراتيجية بالمنطقة… ما لا يتم التفاهم عليه دبلوماسيا يتم حله بالكلاشنكوف ومن الغباء إشعاء فتيل الحرب دون وجود خلفية وأهداف سياسية.

كاريكاتور تعبيري

مع ذلك الانتقال من السياسة إلى الحرب يطرح إشكالية أخرى التي تتمثل في تسييس الجيش بالرغم و كما هو معروف أن قوات الجيش ممنوع عليها ممارسة السياسة أو الدخول في التنظيمات السياسية، لذلك فعلاقة السياسة بالحرب علاقة معقدة لا يمكن الإجابة عنها في صفحة واحدة، لكن ما يمكن الاتفاق عليه هو أن السياسة حرب و الحرب سياسة. يعني أن ممارسة السياسة مع الخصم يجعلك في حالة حرب خفية و بوسائل لا تحدث الخدش لكن تعمل على إنهاك المرء معنويا في الحين أن الحرب سياسة حين نعطي لحرب ما أبعاد سياسية و جعلها قنطرة لتحقيق مكاسب و أهداف ذات الطبيعة السياسية.

أخيرا وليس آخرا، الدبلوماسية والقوة العسكرية عنصران أساسيان لبناء قوة الدول وكذلك لتحقيق مصالحها، لكن تبقى الدبلوماسية السلاح الأفضل والأنسب لحل الأزمات وتحقيق المزيد من المكاسب السياسية، فالدبلوماسي سلاحه لسانه وقوة عقله، ورصاصته إتقانه لفن التفاوض.
وبفضل التطورات التي يعرفها العالم اليوم، أصبحت الدول تطمح إلى تحقيق أهدافها بدون اللجوء إلى القوة العسكرية نظرا بتكلفة هذا الخيار، وكما يقول القائد العسكري والاستراتيجي الصيني سن تسو في كتابه فن الحرب “إن أرقى أنواع النصر هو أن تهزم العدو دون قتال” (ص309).

في كلمة واحدة، إذا كان الإنسان لا بد له من رجلين حتى يستطيع السير فبقاء العالم قائم على الدبلوماسي والجندي.

الجندي في عطلة حتى يفشل الدبلوماسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.