تحليل الخطاب (الجزء الأول)

تقدم مناهج تحليل الخطاب كالتداولية والسيميائية والأسلوبية إسهامات بالغة الأهمية في تحليل اللغة ودراستها ، وفي هذا المقال سنركز على المنهج التداولي والذي يعد من أكثر المناهج استعمالاً من قبل الباحثين والدارسين والناقدين ، وإن كان هذا الأمر يدل على شيء فإنما يدل على أن الاهتمام الذي حظي به المنهج التداولي لم يأتي من فراغ ، بل جاء من كونه منهجاً ذا صلة بعدة معارف إنسانية كالبلاغة والنقد والنحو وعلم النفس وعلم الاجتماع ، بالإضافة إلى علوم الاتصال والأنثروبولوجيا والسيميائيات واللسانيات ، وعليه فإن صلة التداولية بهذه المعارف جعلت منها وسيلة تنسيقية بين العناصر اللغوية في إطار علاقتها بالعناصر الأخرى وفق دلالة تكاملية .
كما أن المنهج التداولي والقائم على أسس مركزية منتظمة ومتناسبة إبستيمولوجياً وانطولوجيا يتجاوز الاهتمام بنوايا المتكلم إلى الاهتمام بظروف النص ومتلقي النص وتأثيرات النص على متلقيه من الناحية النفسية والاجتماعية

ومن هنا فإن مايميز المنهج التداولي في تحليله للخطاب هو أنه منهج قائم على فك بنية النص وربط الجملة بالسياق الذي تستعمل فيه ، كما أنه منهج يرتبط بالإشكاليات الكبرى في النص ، والتي تدور حول المتكلم ومع من يتكلم وفيما يتكلم وسياق كلامه وتأثيره في متلقي الكلام .

وانطلاقاً من كون المنهج التداولي يخرج النص بوصفه وحده مختزلة في الجمل والألفاظ إلى كونه وحده كلامية ؛

كيف يتجسد التصور الإبستيمولوجي للتداولية في إطار تطبيقها على المحادثات الكلامية بين الأشخاص؟

وما مدى حضور أبعاد التداولية في نصوص مدونة الأسرة؟

سنجيب عن هذه الإشكاليات من خلال تقسيمنا لهذا المقال للمحاور التالية:
تقديم
المبحث الأول : الشق النظري
نشأة التداولية وأبرز مناهجها.
تعريف التداولية
أسس التداولية
علاقة التداولية بالعلوم الأخرى

المبحث الثاني : الشق التطبيقي
دراسة حالة
تطبيق في إطار مدونة الأسرة [ نظرية الإستلزام الحواري ونظرية أفعال الكلام] .

المبحث الأول : الشق النطري
النشأة
تعتبر التداولية من أهم المعالم الضاربة في تاريخ الفكر اللساني القديم ويتضح ذلك من خلال السيرورة التاريخية لتطورها ، ونميز في هذا الصدد بين مرحلتين :
المرحلة الأولى : التداولية في الفلسفة .
المرحلة الثانية : التداولية في اللسانيات .

المرحلة الأولى : التداولية في الفلسفة .
يتجلى حضور التداولية في التراث الفلسفي من خلال اتجاهين ، الإتجاه الأول ألا وهو الفلسفة النفعية والتي ترى بأن التداولية حسب الفيلسوف بيرس الذي يعتبر من أوائل من استعملو مصطلح البرغماتية ، إذ يقول بأن العمق الحقيقي لفكرة ما يتم التوصل إليه وتأكيده بالتجربة وأن معيار الحقيقة هو العمل المنتج ، لامجرد التأمل النظري ، بحيث أنه استطاع معالجة الفكر والوقائع من خلال معالجة الملفوظات ودراسة السياق والتواصل ، فأدخل بذلك مفهومات تقع في صلب التداولية جعلت منه مؤسسا مباشرا لها .
أما عن الاتجاه الثاني فيمثله الفيلسوف فنكاشتاين في الفلسفة التحليلية ، والذي بين التداولية بعد تحليل اللغة العادية من خلال نظريتين ؛ الأولى هي نظرية الألعاب والتي تعمد أساسا إلى بيان الإستعمال الفعلي للّغة دون العناية بمعنى الكلمات بل إننا حين نتعلم كيف نلعب عددا من الألعاب اللغوية المتنوعة ، نكتسب معنى الكلمات عن طريق استخدامها ، أما النظرية الثانية فهي مكملة للأولى إذ تؤكد أن فهم معنى الكلمة يأتي من خلال استعمالها في اللغة .

المرحلة الثانية : التداولية في اللسانيات .
يتجلى حضور التداولية في التراث اللساني من خلال ما قدمه اليونان والرومان والعرب ، والذين درسوا النحو التقليدي ، ومع بداية القرن التاسع عشر انقسمت اللسانيات بحسب ما درسها أحمد المتوكل في كتاب الوظائف التداولية في اللغة العربية إلى اتجاهين ؛ اللسانيات الصورية وهي ترى بأن اللغة عبارة عن أنساق مجرد منعزلة عن وظيفتها التواصلية ، واللسانيات الوظيفية وهي تتجاوز الأنساق المجردة للّغة حيث تؤكد على أن بنية اللغة لا معنى لها إلا في إطار الإستعمال .

ومع مطلع القرن العشرين شهدت اللسانيات كإطار مرجعي تمهيدي للتداولية تحولا جذريا ، وأصبحت تشهد تقاطعا مع مجالات معرفية أخرى ، بحيث برز اتجاهان ؛ اللسانيات البنيوية والتي تركز على دراسة اللغة بوصفها ظاهرة اجتماعية ، ذات وظائف متعددة ، إذ أنها لا تفهم إلا من خلال السياق ، وهذا ما يجعل من عناصر اللسانيات متماسكة بحسب ما أشارت إليه مدرسة براغ ، أما الاتجاه الثاني فيتعلق باللسانيات ما بعد البنيوية ، وفي هذا الاتجاه برزت مجموعة من المناهج :
أولا المنهج البنيوي الوصفي: والذي يهتم بالمادة اللغوية فقط ، جاعلا من الدرس اللساني مجموعة من الخطوات التحليلية لوصف التراكيب اللغوية ، ولم يحفل بطرائق التوليد اللغوي ، كما أنه أبدى اهتماما . ضعيفا بوظائف المكونات داخل الجملة .
ثانيا المنهج التوليدي التحويلي: الذي يصف الظاهرة اللغوية دلاليا ً برد بنيتها السطحية إلى بنية عميقة ، دون اعتبار البعد الخارجي للظاهرة ، من موقف المتكلم والمخاطب والظروف الكلامية التي تكتنفها ذلك لأن النحو عند التحويليين يربط بين المخاطب والظروف الكلامية التي تكتنفها البنية العميقة للجملة والبنية السطحية التي تتمثل في الأداء الصوتي ، أما البنية العميقة فتمثل العملية العقلية ذات الناحية الإدراكية التركيبية في اللغة . بمعنى أن هذا المنهج (التوليدي)، ينظر إلى دراسة التراكيب اللغوية بمعزل عن محيطها ، وبالتالي لا يحقق أهداف التعبير والتواصل وغايتهما ، ولا يفرق الأداءات المختلفة على أساس أنها عن بعضها بعضا . فسمع علي الكلام هي نفسها الكلام سمع علي وهي نفسها أيضا علي سمع الكلام .
ثالثا المنهج الوظيفي الذي يقف على النقيض من المنهج التحويلي ، ويتبين ذلك ، في أن الوظيفيين قد رفضوا منطق التحويلات أي (القواعد التحويلية) الذي تبناه التوليديون بقولهم:” هذه التحويلات غير واردة عندهم” ، ولكنهم أولوا هذه التحويلات بمصطلحات أخرى . واللغة في نظر هذا الاتجاه عبارة عن وسيلة اتصال يستخدمها أفراد المجتمع للتوصل لتحقيق أهداف وغايات وبه يتميز بأنه يربط اللغة بالوظيفة التي تؤديها من جانب ، وبالبيئة الاجتماعية (الخلفية الاجتماعية) وتضافر العناصر من جانب آخر بمعنى أن عناصر اللغة مجتمعة تسهم في أداء الفكرة التي يريد المتكلم توصيلها ، وتعد هذه الجمل غير مترادفة فعلي سمع الكلام ليست هي سمع الكلام علي ليست هي علي الكلام سمع ، بل كل واحدة منها قوة تعبيرية متميزة مستمدة من الدور الذي يؤديه كل أسلوب في الحياة الاجتماعية .
رابعا اللسانيات النصية : هذا الإتجاه جاء شاملا وجامعا للمناهج السابقة على اعتبار تراكمية العلم ، بحيث ظهر في النصف الثاني من الستينات والنصف الأول من السبعينات ، وخلاصة هذا الإتجاه أنه يهتم بدراسة النص باعتباره الوحدة اللغوية الكبرى وذلك بدراسة جوانب عديدة أهمها الترابط أو التماسك ووسائله وأنواعه والإحالة وأنواعها ، والسياق النصي ودور المشاركين في النص [ المرسل والمستقبل ] بمعنى أن عالم اللغة النصي يجب أن يبقى بحثه محصورا في أبنية النصوص وصياغتها مع إحاطته بالعلاقات الإتصالية والإجتماعية والنفسية العامة .
تعريف التداولية :
هناك عدة تعاريف للتداولية وهذا التعدد والإختلاف راجع لطبيعة المنطلقات المرجعية والتصور الفكري الذي ينطلق منه العالم ، ومن هذه التعاريف الآتي :
عرفها عامر خليل الجراح بأنها علم يدرس اللغة في الإستعمال مع مراعاة طاقاتها أو وظائفها التواصلية أو الإخبارية ، والتأثيرية بأبعادها التأويلية والحجاجية والإنجازية .
يعرفها فرانسواز أرمينكيو بأنها: هي دراسة العلامات اللغوية وعلاقتها بالناطقين بها والمتلقي والظواهر الحياتية ، والنفسية والاجتماعية المحيطة بها.
آن ربول: التداولية هي دراسة استعمال اللغة في مقابل استعمال النسق اللغوي ، والذي يدخل في اختصاصات اللسانيات .
شارل مويس: التداولية شاملة لسيرورة التدليل والتي تضم بالاضافة إلى التداولية كل من الدلالة والتركيب.
ومن التعاريف كذلك : التداولية هي فهم أساليب الخطاب وتوسيع عملية التواصل .

وفي السياق العربي يعتبر الفيلسوف طه عبد الرحمن أول من أدخل ترجمة مفهوم التداولية ، حيث يعبر عن التداولية بمصطلح بالبرغماتية .

ومن خلال ماسبق يمكن القول بأن التداولية تدرس اللغة من خلال استعمالها في الطبقات المقامية المختلفة مع مراعاة الظروف المحيطة لتحقيق التواصل، بحيث تدرس المعنى الذي يقصده المتكلم ثم تدرس المعنى السياقي وكيفية إيصال أكثر ما يقال.
أسس التداولية :
التأشير:
التأشير بمعنى الإشارة من خلال اللغة إعتمادا على مجموعة من الصيغ اللغوية مثل ( ما هذا….) ويعد هذا المبدأ من أبسط المبادئ التي تقوم عليها التداولية، حيث يقل استخدام اللغة التي يحتاجها المتكلمون للتعريف بالأشياء كلما زادت الأشياء المشتركة بينهم ، بمعنى أن الاستعمال المتكرر للكلمات مثل هذا وذلك للإشارة إلى الأشياء تدخل ضمن السياق الملموس المشترك.
مثال:
عندما يدور حوار بين شخصين ويقول أحدهم إلى الآخر عبارة
سأضع هذا هنا
فالمتكلم لا يحتاج إلى أن يوضح له أنه سيضع المفتاح فوق الطاولة
إلا أن الغائب يحتاج في هذه الحالة إلى توضيح أكثر لكي يتضح له الأمر ، وهذا راجع إلى كون هذه التعابير التأشيرية ( هذا…هنا ) تعمل بشكل أساس في التفاعل المنطوق وجها لوجه ، حيث يشترك المستمع والمتكلم في السياق ذاته.
ويمكن التميز داخل هذا المبدأ بين ثلاثة أنواع:
التأشير الشخصي: حيث يرتكز النوع الأول أساسا على ذكر المتكلم بصيغة “أنا” والمخاطب بصيغة “أنت”، إضافة إلى كونه يمثل التمييز بين الصيغ المستعملة للمخاطب المألوف وتلك التي تستعمل للمخاطب غير المألوف كما هو الحال في المقابلات التلفزيونية إعتمادا على الفروقات الاجتماعية.
التأشير المكاني: يهتم هذا النوع بتحديد الموقع النسبي للأشخاص والأشياء اعتمادا على الصيغ اللغوية هنا… وهناك.. وذلك من أجل التمييز بين المواقع، ويمكن إعتبار الأساس التداولي لهذا النوع من التأشير متعلق بالجانب النفسي حيث يميل المتكلم إلى معاملة الأشياء البعيدة ماديا على أنها بعيدة نفسيا.
التأشير الزماني: يرتكز دور هذا النوع على تحديد الوقت الذي ينطق خلاله المتكلم قوله وإلى الوقت الذي يسمع فيه صوت المتكلم بالنسبة للمستمع.
الإشارة والاستدلال:
تأتي الإشارة بمعنى الصيغ اللغوية التي يستعملها المتكلم أو الكاتب لتمكين المستمع أو القارئ من تحديد شيء ما ، وقد تأتي على شكل أسماء علم أو عبارات اسمية معرفة أو ضمائر حيث ترتبط غالبا بأهداف المتكلم ، على سبيل المثال عندما يعمد المتكلم إلى تعريف شيء ما ويرتبط أيضا بمعتقداته بمعنى هل يتوقع من المستمع معرفة ذلك الشيء بالتحديد؟؟ ونجد أن عملية الإشارة تعمل حسب الأعراف أي داخل أعضاء المجتمع الذين يتشاركون في اللغة وثقافة معينة، حيث يتيح العرف استعمال تعابير إشارية يمكن لها تحديد كيانات معينة جدا .:

عندما تسمع إسم شكسبير

بينما يأتي الاستدلال بمعنى الإعتماد على قدرة المستمع في الاستدلال على الشيء المشار إليه.

الإفتراض المسبق والإستلزام:
يأتي الإفتراض المسبق [ عند المتكلم] بمعنى الشيء الذي يفترضه المتكلم ويسبق التفوه بالكلام بمعنى أنه موجود عند المتكلمين بمعنى كون المستمع عارفا ببعض المعلومات فيكون مضطرا لاستعمال الافتراض، ويمكن التميز بين نوعين من الافتراض المسبق
النوع الأول: يعرف باسم الإفتراض المسبق الواقعي بمعنى معاملة الإفتراضات المسبقة على أنها حقيقية.
النوع الثاني : يعرف باسم الإفتراض المسبق المعجمي حيث يؤخد استعمال المتكلم لتعبير معين على أنه يفترض مسبقا مفهوما آخر غير مذكور.
بينما يأتي الإستلزام[يكون في الجملة ] بمعنى الشيء الذي ينبع منطقيا مما قيل في الكلام أي أن الجمل هي التي تحوي الإستلزام، إلا أن الإستلزام لا يعتبر مفهوما تداوليا بقدر ما يعد من المفاهيم المنطقية .
[ مثال : هيا لنخرج أمام البيت = هذه العبارة تسلتزم منطقيا الخروج أمام البيت فقط أما الإستلزام المتعارف عليه فتعني الخروج والسير لمدة طويلة ]
التعاون والتضمين:
يمثل التعاون داخل محادثة معينة نقطة بداية لفهم ما يقال فإذا افترضنا أن شخص معين قال لآخر في إطار حديثه “سيارتي” فهذا يقتضي أنه يملك حقا سيارة وأنه لا يحاول تضليل المستمع، فمبدأ التعاون يقتضي أن الأشخاص المشتركين في المحادثة لا يفترض بهم أن يحاولوا تشويش أو إخفاء معلومات ذات صلة عن أحدهم الآخر، وفي حالة تحقق مبدأ التعاون داخل محادثة معينة فإن المستمع يتوجب عليه أن يفترض أن المتكلم كان متعاونا معه وانه ينوي إيصال شيء ما، مما يدفعه إلى معرفة أكثر ما تعنيه الكلمات بحد ذاتها وهو ما يسمى تضمينا.
ولنجاح التخاطب هناك مسلمات لمبدأ التعاون عند كرايس وهي :
مبدأ الكم : أي الكلام قدر الحاجة وعدم تجاوز القدر المطلوب .
الكيف : لا تقل ما تعتقده كذبا ولا تقل ما لاتعلم.
الملاءمة : أن يكون الأسلوب كلام موجز ،مرتب وغير مبهم.
الجهة : مناسبة الكلام للسياق.
مثال :
عن التعاون : سيارتي معطلة .
عن التضمين :
اللبيب بالإشارة يفهم = تتضمن أن الأخرق لا يفهم إلا بشق نفس.
صوفيا قطعة جليد = تتضمن أن صوفيا ليست حساسة [ انفعالية ] احتراما لمبدأ ارتباط درجة الحرارة بسلم الإنفعالية .

أفعال الكلام ومقام الكلام:
تعرف أفعال الكلام بكونها الأفعال المنجزة [الأداتية ] من خلال الألفاظ عموماً والتي تعطي في الغالب أوصافا أكثر تحديدا مثل الإعتذار ، الشكوى، الإطراء…
ولهذه الأفعال المنجزة ثلاثة أبعاد تقوم بإيصالها من خلال اللغة :
الفعل التعبيري [ قولي] : وهو إنشاء تعبير لغوي ذي معنى.
الفعل الوظيفي [ إنجازي] : والذي يتم إنجازه عبر قوة اللفظ التواصلية حيث أن لكل لفظ وظيفة معينة.
الفعل التأثري: بمعنى أن المتكلم يقصد من وراء أي فعل أن يترك تأثير معين.
إلا أنه غالبا ما يتم التركيز على البعد الوظيفي للفعل الكلامي والذي يعد بمثابة جوهر الموضوع.
ويمكن تقسيم أفعال الكلام إلى خمسة أنواع:
الإعلانات: تعبيرعلى الحالة عبر لفظها، مثل إعلان العدول بعد توقيع العقد بأن المتعاقدين أصبحا زوجين .
الممثلات [ التمثلات] : التي تبين ما يؤمن به المتكلم أنه حالة أم لا، مثلاعتقاد فلان أن الأرض مسطحة.
المعبرات: التي تبين ما يشعر به المتكلم بمعنى التعبير عن الحالات النفسية مثل: قول سمية لحياة أنا أحبك .
الموجهات: التي يستعملها المتكلمون ليجعلوا شخصا أخر يقوم بشىء ما مثل أين الطريق إلى منزل أسماء ؟؟ إذهب مباشرة عبر شارع محمد الخامس ، ستجده في نهاية الشارع.
الملزمات: هي تلك الأفعال التي يستعملها المتكلمون ليلزموا أنفسهم بفعل مستقبلي لأنها تعبير عما ينويه المتكلم ، مثل فلان ملزم بأداء النفقة على فلان ، في هذه الحالة حسب القاعدة القانونية فمن التزم بشيء لزمه .
كما أنه يوجد هناك فعل كلام مباشر وفعل كلام غير مباشر من خلال تمييز بنيوي بسيط فكلما وجدت علاقة مباشرة بين البنية والوظيفة حصلنا على فعل كلام مباشربينما كلما وجدت علاقة غير مباشرة بين البنية والوظيفة حصلنا على فعل كلام غير مباشر.
مثال : الجو بارد .
فمن خلال هذه العبارة يمكن اسنباط نوعين من الكلام ، الأول أنا أخبرك بأن الجو اليوم بارد وبه فهو فعل كلام مباشر، أما المعنى الثاني غير المباشر فيعني أني أطلب منك إغلاق الباب
التداولية وعلاقتها بباقي العلوم
تتداخل التداولية مع عدة حقول معرفية منها:
أولاً: التداولية والسياق
يشترك السياق الغير لغوي مع التداولية في تتبع الظروف الاجتماعية لمدلول الخطاب، كما ان الأصل الذي تبنى عليه التداولية هو علاقة النص بالسياق، فالسياق مفهوم تداولي، يشمل هوية المتخاطبين وظروف الخطاب وغاياته ومدلولاته.
ثانياً: التداولية واللسانيات البنيوية [ المضمون والتركيب الداخلي]
التداولية هي لسانيات كلام، كما أن اللسانيات تشمل عدة مذاهب منها التداولية، كما ان اللسانيات البنيوية تهتم بدراسة نظام اللغة الصرفي و النحوي والدلالي و التركيبي، كما ان التداولية تهتم بدراسة استعمال اللغة في مقابل نظام اللغة [ على اعتبار أن العلاقة تكاملية] ، ولقد أقر فرانسوا لاترافاس في كتابه: البرغماتية تاريخ ونقد بصعوبة التمييز بين اللسانيات والتداولية لعدة أسباب منها:
أن اللسانيات تشمل عدة مذاهب ونظريات بما فيها التداولية.
التداولية تتموقع خارج النظرية اللسانية.

ثالثاً: التداولية والنحو الوظيفي
النحو الوظيفي أهم روافد الدرس التداولي، ويندرج ضمن النظرية التداولية، كما أن النحو الوظيفي يهتم بتحقيق الكفايات النفسية والنمطية والتداولية.
رابعاً: التداولية واللسانيات الاجتماعية
تشترك كل من التداولية واللسانيات الاجتماعية في كونهما يهتمان بدراسة أثر العلاقات الاجتماعية بين المشاركين في الحديث على الموضوع،مع بيان مراتب المشاركين في الحديث و أجناسهم [ مثل لكل مقام مقال ].
خامساً: التداولية وعلم الدلالة
يدرس كل من علم الدلالة والتداولية المعنى، بمعنى أنهما يشتركان في الموضوع ويختلفان في طريقة تناول الموضوع، وهناك من يرى أن التداولية هي امتداد لعلم الدلالة، ولم يتضح الفرق بينهما إلا مع محاضرات أوستين في عام 1955 أي أن علم الدلالة يتناول المعنى بمعزل عن السياق ، أما بالنسبة للتداولية فهي تتناول المعنى من خلال ربطه بالسياق.
سادساً: التداولية و اللسانيات التعليمية
الأساس الذي يقوم عليه التعليم هو تجاوز البنى اللغوية إلى تحقيق الممارسة الميدانية، التي من خلالها تدرك القيم والأقوال وكميات الكلام، ودلالات العبارات وغرض المتكلم ومقاصده، أي تجاوز تحصيل الكفاءة على تحصيل الأداء بتوفير ما يحتاجه المتعلم، وفي هذا السياق فإن البحوث التداولية أسهمت بشكل بارز في مراجعة مناهج التعليم، وأصبح البعد التداولي أحد أهداف العملية التعليمية، وذلك كله بقصد تحقيق الانتقال من نمط الترميز (القواعد اللغوية) إلى نمط التأطير (الطقوس- التحاور- العبارات الاصطلاحية).
سابعاً: التداولية واللسانيات النصية وتحليل الخطاب

مصطلح الخطاب والنص مترادفان، فالخطاب يخرج النص من كونه وسيلة لفظية إلى كونه ظروف مقامية، واللسانيات النصية تتجاوز الاهتمام بالخطاب بوصفه نص إلى اعتباره نشاط يعتمد على المعارف المقامية والسياقية.

ثامنا :التداولية و البلاغة
لإيضاح التداخل الحاصل بين التداولية و البلاغة لابد من الإشارة الى فكرتين:
الأولى أن تحليل الخطاب البلاغي الجديد تداوليا يتحقق بواسطة اندماجه بعلم النص، وهو ما يمكن أن نطلق عليه مصطلح البلاغة الحية ، إذ نكون أمام مستوى بلاغي أو أسلوبي نصي يحتضن المستويين : الموسيقي، والبياني الذي تتحد فيه الدلالة مع التركيب ، وأمام مستوى التداولي الخطابي أي مطابقة الكلام لمقتضى الحال.
أما الثانية فتسوغ وجود تداولية بلاغية على أساس مفهوم الحوار أو بحسب باختين الطابع الديالوجي للمقوم النصي الإحتجاجي.
على اعتبار أن البلاغة هي توصيل المعنى إلى السامع فيفهمه والتأثير عليه ، وبه تكون علاقة البلاغة بالتداولية هي علاقة تكامل وانصهار.
المبحث الثاني : الشق التطبيقي.
دراسة حالة
تعتبر المحادثة مظهرا تداوليا أساسيا؛ نظراً لكونه وسيلة تواصلية تظهر استعمال اللغة في سياقات معينة، إلا هذه الوسيلة تشهد نوعاً من الدينامية من ناحية استعمالها بحسب السياقات والتوقفات والتدخلات ، الشيء الذي يولد عدة أنواع للمحادثة ، ومن هذه الأنواع الآتي :
محادثة ذات طابع تنافري [ عدم انسجام ]:
السيد ديف : لماذا تغيرتي ؟– هل تريدين الرجوع لبيت والدك ؟
السيدة زهور : لا– حتى يحين الصيف المقبل .
السيد ديف : لا – أنا أظن بأنك اشتقت لبيتكم .
السيدة زهور : ليس الآن — حتى يحين موعد عطلة الصيف
السيد ديف : أنا قلت لك إذهبي //
السيدة زهور : لا – لن أسافر الآن //
السيد ديف : ماذا ؟ أنت طالق .
تعليق :
التوقفات في هذه المحادثة كانت قصيرة الأمد بحيث لم تتجاوز ثلاث ثواني وبالتالي لا يمكن اعتبارها صمتا بل هي مجرد تردد في اتخاد القرارالمناسب، بينما التدخلات جسدت جانب المقاطعة غير المنسجمة .
محادثة ذات طابع توافقي .[ انسجام]
السيدة شيماء :هيا بنا لنسقل القطار //
السيدة سمية :هل سنذهب في القطار ؟//
السيدة حياة : نعم كذلك //
السيدة سمية : فتيات—- هل تعلمون شيئا ؟؟ //
السيدة شيماء وحياة : ماذا؟ //
السيدة سمية : أنا أول مرة سأستقل القطار //
السيدة حياة وشيماء : ونحن أيضا .
تعليق :
في هذه الحالة لا تعبر التدخلات عن عدم الإنسجام وانعدام الألفة وإنما تعبر عن نوع من التشابه والتكامل في الأفكار والقيم .
محادثة ذات طابع تنافسي .
السيد أحمد: المساواة لن تكون أبدا بين الجنسين //
السيدة لمياء : بل الذكر مثل الأنثى//
السيد أحمد :هل لي أن أكمل حديثي ؟
السيدة لمياء : قلت لك المساواة موجودة والمدونة أقرت ذلك في عقد الزواج
السيد أحمد : هذا جزء من الكل فقط //
السيدة لمياء : بل اتفاقية سيداو أكدت هذا الأمر
السيد أحمد : هل تطبق على أرض الواقع ؟؟
تعليق :
في هذه الحالة تعبر التدخلات عن وجود تنافس بين المتكلمين ، بحيث يقاطع أحدهما الآخر، قصد تملك أرضية الحوار والسيطرة.

تطبيق في إطار مدونة الأسرة [ نظرية الاستلزام الحواري ونظرية أفعال الكلام] .
المادة الرابعة من مدونة الأسرة :
نصت المادة الرابعة من مدونة الأسرة على أن:” الزواج ميثاق تراض وترابط شرعي بين امرأة ورجل على وجه الدوام، غايته الإحصان والعفاف وإنشاء أسرة مستقرة برعاية الزوجين طبقاً لأحكام هذه المادة”
“الزواج ميثاق تراض وترابط شرعي بين رجل وامرأة على وجه الدوام”، هذه العبارة تفيد حسب الفعل الكلامي المباشر أن الزواج المعترف به هو الذي يكون بين الرجل والمرأة استنادا على الأسس الشرعية للدين الإسلامي المتضمنة لمبدأ الديمومة بين الزوجين ، وذلك لتحقق التطابق بين البنية والوظيفة ، أما الفعل الكلامي غير المباشر فإنه يتضمن سد الباب أمام باقي الزيجات الأخرى بما فيها المثلية والمساكنة، كما أن هذه العبارة جاء مراعياً لطبيعة المتلقي سواء كان ذكر أو أنثى، بالإضافة على استحضار الظواهر النفسية والسياقات الاجتماعية المحيطة، وهو مايجعل هذا النص مندرجاً في إطار تداولية التلفظ والتي تهتم بصناعة اللفظ وضبط سياقه.
“غايته الإحصان والعفاف” ، هذه العبارة تدخل في إطار أفعال الكلام الملزمة ، إذ أنها ترتبط بنية العاقدين بعد توثيق عقد الزواج ، بمعنى أنها ملزمة لكلا الطرفين فالإحصان يكون للزوجة من خلال توثيق العقد وإشهاره والإشهاد عليه ، بحيث تحقق هذه الوسائل الحماية للمرأة من أية شبهات ، فتكون بذلك في ذمة زوجها أما العفة فهي تلزم كل من الزوج والزوجة بغية الحفاظ على تلك العلاقة المشروعة وكذلك استمراها .
وإنشاء أسرة مستقرة ،هذه العبارة تدخل في إطار مبدأ الإفتراض المسبق في المنهج التداولي الواقعي بمعنى معاملة الإفتراضات المسبقة على أنها حقيقية أي أن توفر توثيق العقد وتواجد الإحصان والعفاف يفرض بشكل مسبق و لدى الزوجين أنها سيكونان أسرة مستقرة،توفر الاستقرار النفسي والإقتصادي والإجتماعي وغيرهم.
برعاية الزوجين ،هذه العبارة تدخل ضمن نظرية الإستلزام الحواري في شق مبدأ المناسبة ، إذ أن المدونة جاءت مراعية للإلتزامات الملقاة على عاتق الدولة بموجب المصادقة على اتفاقية سيداو ، التي أقرت مبدأ المساواة بين الجنسين خاصة في مسألة الرعاية الأسرية ، وفي ذلك مراعاة لمبدأ مطابقة نص المدونة لمقتضى الحال. أي التغيرات الإجتماعية والتشريعية .

وبهذا يمكننا الخروج بخلاصة ألا وهي أن المنهج التداولي من أكثر المناهج عملية ومواكبة لتطور اللغة ومستجداتها، وكذا تفسير مختلف الظواهر في مختلف المجالات، كما أنه منهج يتميز عن باقي المناهج نظراً لكونه يتداخل مع مجالات معرفية مختلفة.

مقالة مشتركة من إعداد الطالبات الباحثات:
أسماء الكعدوس. زهور الجمري.
سمية الفيجة. حياة الطيبي.

مراجع المقال :
_ خليفة بوجادي:في اللسانيات التداولي مع محاولة تأصيلية في الدرس العربي القديم، منشورات بيت الحكمة للنشر والتوزيع بالجزائر2009.
_ فاطمة بنت ناصر بن سعيد المخيني: الوظائف التداولية الداخلية في سورة الأنعام، 2006.
_ عامر خليل الجراح: الإجراءات التداولية التأثيرية في التراث البلاغي العربي بين التأويل والحجاج، دار السنابل للطباعة والنشر 2009.
_ جورج يول: التداولية، الدار العربية للعلوم 2010.

أسماء الكعدوس

باحثة في قضايا الأسرة والمجتمع . كاتبة ومصورة فوتوغرافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.