معالم بلا عالم

هناك فيلسوف يقول أن ” العالم يتطور من جوانبه السلبية” . لقد حقق الإنسان كل ما يريد وما كان يشتهي في زمن لم يتصور أحد أن يصل العالم إلى ما وصل إليه اليوم . السؤال الذي يجب طرحه والمتمثل في ماذا يريد الإنسان اليوم ؟ منذ فجر التاريخ و الإنسان يحاول تسخير الطبيعة وجعلها في خدمته لكن اليوم يتبين أن الطبيعة انتصرت على الإنسان أو على الأقل في طريقها إلى تحقيق ذلك إذا لم يستيقظ هذا الإنسان من سكرته .
يقول المفكر والأديب العربي عبر الرحمن منيف في كتابه “عالم بلا خرائط” أن “العالم الذي نعيش فيه شديد القسوة والدمامة والظلم ، وهذه الأمور يجب أن تنتهي لتقوم على أنقاضها معالم حياة جديدة” . لقد لخص منيف حال الإنسانية اليوم في هذه العبارة . ما يدفعني للقول بأن التشكيك والتنديد بمعالم العالم أمر ضروري والقول بوجود معالم ، لكن لا أثر للعالم في ظل هذه الظروف . بالفعل لقد قرأت أحد الأعمال الفكرية القيمة التي تعود لأستاذ العلوم السياسية حسن أوريد الذي تطرق في كتابه المعنون ب”عالم بلا معالم ” لمجموعة من الإشكاليات الكبرى في مقدمتها تعثر مشروع فوكوياما القائل بنهاية التاريخ وانتصار الرأسمالية ، حيث من تمظهرات هذا التعثر الأزمة التي تمر منها كل من النيوليبرالية والديمقراطية ، علاوة على العولمة التي وضعت على المحك ، بالإضافة إلى ما طبع سياق جائحة كورونا من بروز لبعض الاقتصاديات القوية التي تسعى إلى أن يكون لها دور نشيط في الساحة الدولية . كل هذه الأشياء هي بمثابة معضلات أدت إلى تكوين نوع من الضبابية حول صورة وطبيعة النظام العالمي الحالي . لكن ماذا لو عكسنا عنوان كتاب المفكر المغربي و بالتالي يصبح “معالم بلا عالم” ، ليس بهدف التسلية ولكن هذا العمل الفكري أجاب على جملة من الإشكاليات بأجوبة أخذت شكل تساؤلات جديدة ، فالكتاب المفيد هو من يطرح الأسئلة أكثر من الإجابة عليها . من بين هذه الأسئلة ؛ متى يكون العالم عالما كما تريده الإنسانية ؟ وأي معالم يجب الرهان عليها ؟

الخروف الذي ينفصل عن القطيع يأكله الذئب ، الإنسان الذي لا يساوم مبادئه يصعب تأقلمه مع المجتمع وبالتالي يجد في العزلة شفاء لغليله والعالم القائم على أسس هشة وزائفة لا يبقى إلا في الأذهان . عبر مر التاريخ توعد الكثير من القادة وكبار الساسة بعالم مسالم وخالي من الظلم ، ومثلما تنبأ شارح هيجل ألكسندر كوجيف بأن العالم سيصبح بلا حروب . لكن العكس ، فالتاريخ يعلمنا أن الحرب هي القاعدة والسلم هو الاستثناء وبطبيعة الحال لا تقاس الأمور على هذا الأخير .
بعد سقوط القطب الشيوعي أو كما يسميه الرئيس الأمريكي رونالد ريغان المنتمي لحزب المحافظين ” بإمبراطورية الشر” ، قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتأسيس نظام عالمي جديد قائم سياسيا على الديمقراطية واقتصاديا على الليبرالية ، حيث كانت نظرية فرانسيس فوكوياما لا زالت في مهدها . لكن سرعان ما أن تحولت هذه المعالم الجديدة إلى ذرائع تستعمل من أجل التدخل في الشؤون الداخلية للدول ، كما فعلت أمريكا مع مجموعة من الدول (هايتي ، الصومال ، العراق ، أفغانستان … ) ، بإسم الديمقراطية قام بلاد العم سام بغزو وتدمير هذه البلدان ونهب خيراتها ، واستدلالا على ذلك كان قد صرح الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن أثناء الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في شتنبر 2021 أن التواجد الأمريكي بأفغانستان لمدة عشرين سنة لم يكن بهدف نشر القيم الديمقراطية . ألا يجوز القول بأن معالم العالم المرساة من طرف أمريكا أسس هشة وزائفة بل عبارة عن خطط تخدم مصالح الجهات المعنية . أما اقتصاديا ، فأمريكا أرغمت الدول على اتباع توجهاتها الاقتصادية ، لكي يتسنى للدول الاستفادة من قروض و مساعدات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ، يجب تبني مبادئ اقتصاد السوق والخضوع للنظام الليبرالي ، متجاهلة التناقضات الداخلية للدول والعمل على إفقارها ونهب خيرات شعوبها . هناك معالم لكنها جردت العالم من عالميته و إنسانيته ، وبهذه الخطوط العريضة فالإنسان يتجه نحو طريق مسدود ونفق حالك ولحظة تاريخية مفصلية . أليس هناك من يقول للغرب توقف ؟ أم أننا لم نستطع بعد إدراك خطورة الوضع . كما يقول موريس بيليه “العالم يقتفي أثر الغرب و الغرب يهم بلا وجهة” .

كل ما يحتاجه العالم اليوم من أجل إنقاذ نفسه هو التخلي عن معالم اليوم والعودة إلى معالم البارحة وكما يقول مولانا جلال الدين الرومي “في الأطلال القديمة توجد الجواهر الثمينة” . العالم مجروح و مرهمه يكمن في اللجوء إلى ما تخلى عنه البارحة . أليس الرجوع إلى الأصل فضيلة . العالم الجديد الذي ينادي لن يرى النور إلا في إطار قيمي و أخلاقي . لقد غاب الدين وحلت محله قيم جديدة ، هذه القيم يمكن وصفها بأنها أخطر من استغلال الدين في السياسة وهي بلا شك ستكون سبب انهيار الحضارات المعنية . الحضارة الغربية على رأس هذه المسألة .
الخطر يتربص بنا ، تأثر الغرب وما يعرفه من تحولات يمس بشكل مباشر باقي مناطق العالم . العالم العربي أكثر المناطق التي تتبع الغرب في كل مناحي الحياة السياسية والإجتماعية . فالنظام العالمي الجديد هو الذي يقوم بعد حدوث تغيرات بنيوية في البيئة الدولية ، يسقط من يسقط ويرتفع من يرتفع ، ونيل الشعب الفلسطيني لحريته يجب أن يكون جزء من معالم هذا العالم المرجو . عندما يتأسس العالم على الظلم والنهب والاستعمار والاحتلال والقسوة ، فهذا العالم يصبح مشوه وناقص .
منذ القرن 17 والعالم يسير وفق توجهات المنظومة الغربية ، هيمنتهم العلمية ، الفكرية ، السياسية والاقتصادية و كذا العسكرية جعلت من الغرب الإطار الوحيد والأوحد لهذا العالم . بالفعل حدثت تغيرات جذرية في العالم لكن العقلية الغربية لم تتغير ، كما يقال تغير كل شيء إلا طريقة تفكيرنا . فالغرب الذي انطلق وفق رغبة استعمارية لا زال وفيا لهذا النهج ، لكن بطرق عصرية وحديثة .

أليست هذه الأشياء التي تحدث وتحدث بشكل متكرر تفرز معالم ومحددات معينة ، ربما اختلط العالم بالمعالم ولم نعد نستطيع التمييز بينهم . والأكثر من ذلك حتى الذين لا يزالون يتمتعون بذرة من الإنسانية وحس ضمير لا يستطيعون البوح بأن الظلم والقسوة والاحتلال تشكل معالم عالم اليوم . يفقد الإنسان إنسانيته عندما يتخلى عن مبادئه أو يتبنى مبادئ زائفة و انتهازية . هكذا حال العالم ، لا يوجد منه سوى الإسم لأنه قائم على معالم غير عادلة . يجب إعادة الروح لهذا العالم وهذه العملية ليست بالقريبة ولا بالبعيدة ، إنما الإيمان بوجود الخلل وتدارك الموقف قبل فوات الأوان . أغلب الأمم تعتبر ماضيها أفضل من حاضرها لأنه بكل بساطة اليوم هذه الأمم فقدت كل شكل من أشكال استقلالها وحريتها ، وكذلك تغيرت النفوس ومعادن الأشخاص بحيث في وقتا الحالي نرى استحالة إيجاد شخصيات مثل صلاح الدين الأيوبي ، عبد الكريم الخطابي …

مختصر الكلام، حتى القوى العظمى العالمية يجب أن تدرك أن تجديد معالم العالم أمر ضروري وحتمي(inévitable) ذلك يصب في مصلحتها على غرار مصلحة الإنسانية ، بهدف إعادة الثقة للأسرة الدولية وشعورها بنوع من الأمن الطمأنينة ، لأنه على ما يبدو ومن خلال الأحداث الأخيرة التي يعرفها العالم فإن تحديات الإنسانية المقبلة هي تحديات وجودية (défis existentiels) ، كما أكد على ذلك الصحفي الفرنسي المتخصص في العلاقات الدولية ألكسندر أدلر Alexandre Adler في كتاب بعنوان” تقرير وكالة الاستخبارات المركزية CIA كيف سيكون العالم في سنة 2025” الذي ترجم إلى اللغة الفرنسية ، بحيث وضح ألكسندر أدلر أنه خلال السنوات المقبلة سيواجه العالم إشكاليات و أزمات كبيرة ومعقدة تتعلق بالأمن الغذائي ، الإنتقال الطاقي وأزمة الماء .

يونس عبابو

طالب جامعي حاصل على الإجازة في القانون العام باللغة الفرنسية وحاليا أدرس ماستر الدراسات الدبلوماسية باللغة الفرنسية بجامعة محمد الخامس بالرباط

تعليق واحد

  1. صديقي يونس؛ وأنا أقرأ المقال ظننت أنني أقرأ لأحد كبار المحللين السياسيين لولا رؤية إسمك ؛ تحليل رائع تحياتي لك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.