خسوف الوعي

حول العلاقة بين العبودية الحديثة و الاقتصاد

إن حجم كرامة النفس التي تقبع داخل كل كائن بشري طالما تكون أضخم من حجم بدنه، بشساعةٍ يكفي أن تكون فيها منفيا وأنت تبحث عن ساحلها، مركبة على شاكلة ناقلات خلايا الدماغ العصبية المعقدة؛ في داخل هاته النفس الضخمة، كيف وُسْوِسَ للإنسان أن ينال من كرامة بني جلدته؟! 

أفضى البروفيسور الروسي “فالانتين كاتاسانوف” في كتابه ” استعباد العالم “، أن مفهوم (daz kapital) (الرأسمال) في اللغة  اللاتينية هو رأس الماشية، إذ تبين أن النظام قام بتحويل المجتمع إلى قطيع أكثر ألما من العبودية الكلاسيكية وأقسى من العبودية التي تَحَدَّث عنها الكواكبي وَذِي لا بويسي أو  ماركس …، فالشركات تستحوذ على عامليها وطاقاتهم الذهنية والبدنية مقابل أجر زهيد، لكن لا تعاملهم كما كان يفعل السيد قديما حين كان يصون عبده ويسهر على مأكله ومشربه وعنايته بل وحتى تزويجه؛ الآن بهكذا معنىً اتضح أن الشركات أشرس من السيد!! 

فالعرض أضيق من الطلب دائما بالنسبة لفرص العمل، حيث لا تَتَأَتى الشركة استبدال عامل بآخر ، معتمدة على أعطاب العمال، والتي جندوا لها علوما ما هي بعلوم، توهم الفرد بوجود تفاؤل في عالم بئيس، إلى غير ذلك من تعاويذ الرأسمالية وشعوذتها التي صدقها بسطاء الوعي من الناس!! 

بهكذا منطقٍ تحول العمال إلى مناديل المراحيض التي دائما -على لسان كاتاسانوف- بمجرد المسح يَلقى مصيره في حاوية انتظار عبودية أخرى، في متاهة تخيل له أن الغذ أفضل، فأصبح الناس مهووسين بالعمل مهما قلل من كرامتهم وهضم حقوقهم، فالأهم أن يظهر ذو الوظيفة أنه ولد مطيع لأفكار مجتمعه وتقاليده !

في ظل هذا المأزق الأخلاقي الملوَّث متنا والمُنَمَّق شكلا ، قد يكون الحل كما فعلت شركة أمريكية عقارية في تقسيم الأرباح على عمالها، أو كما كان يفعل هنري فورد (مالك شركة فورد للسيارات) في كيفية تقسيم الإيرادات، لكن أصحاب رؤوس الأموال تكون لهم عقلية الحظيرة، مرددين عبارة ” أنا بنيتها، فما فيها موجود فهو دوني”.

وتوسعت  رؤية أحد العمالقة في العصر الحديث، وهو  كيفن بايلز (البروفيسور الاقتصادي الأمريكي) في كتابه “العبودية في العصر الحديث”، حيث حلل  كيف كانت الدول الكولونيالية تستحوذ على خيرات مستعمراتها سابقا؛ الآن لم يعد الأمر كذلك لكن الشركات العالمية أبقت على هاته الثقافة في إعادة توطين شركاتها الفرعية بأياد رخيصة، فتستحوِذ على كل ما يُنتج في هاته الدول (المستعمرات السابقة) فانتقلت عبودية الماضي المباشرة إلى عبودية الحاضر المأجورة (الجديدة) بالوكالة، أو مايسميه الاقتصاديون الاستعمار النيو-كولونيالي!

العقلية الرأسمالية تغتنم ثلاثة أشياء في نفسية الإنسان، حاجته للاستهلاك حيث أصبح لا يشعر بوجوده إلا حين يستهلك فانقلبت قاعدة ديكارت لتصبح “أنا أستهلك إذا أنا موجود”، فالعقل يخسف حين يثق بمعلومة أن التبضع يحسن المزاج. ولا شك أن هاته القاعدة أصبحت لها طقوس هوسية غريبة، فكيف سنفسر نوم الأشخاص في خيمات أمام محلات بيع شركات عملاقة لهاتفٍ نقال جديد؟! والبحث الدؤوب عن العروض والتخفيضات، كيف يساق المرء إلى هكذا تراهات!!

ولئن سَلَّمنا بأن كسب المال غريزة فإن الأخطر هو زيادة وِزْرٍ آخر لا يقل خطرا عن الكسب، وهو المحافظة والخوف عليه، وهنا جاء دور الأبناك، المعابد الحقيقية التي اجتمعت عليها كلمة البشر جمعاء!! فثمة ثغرة نفسية أخرى هي إنشاء علاقة حميمية مع القروض بغية شراء منزل للتستر أو سيارة للعمل أو أداء تكاليف جامعة ذات جودة، فعندما يكون الموظف على عاتقه دين زائد بفوائد أو ضمانات تعجيزية، كعقد شيرلوك اليهودي في رواية تاجر البندقية، يقع فريسة سهلة للشركة والنظام، حيث تستغله أيما استغلالٍ وبدون أدنى رحمة وهي عالمة أن من أبرز دوافعه الوظيفية أداءُ الديون، وإلا فسيتحول الموظفون إلى عُراةٍ حُفاةٍ نائمين في سياراتهم، يكتفون بوجبة أكل واحدة في اليوم كما يقع في جنوب كاليفورنيا ونواحيها في أمريكا حاليا!! 

من أفكار العقلية الرأسمالية كما زاد كيفن بايلز، هي العبودية الجمعية أو كما سميتها ذي قبل بالعبودية الرقمية، فمثلا حين يشتري صاحب المال أسهما يشتري أناسا ولا تعنيه الآلات التي يستعملونها، كسوق للعبيد فحين تشتري عُبَيْدا بعضلات مفتولة أو بقامة سامقة كشراء مزرعة من البقر، فالمشتري لا يعنيه إلا الحليب ولن يلتفت قطُّ لأيِّ بقرة على حدة لمعرفة خصوصيتها وحاجياتها وإنتاجيتها، كذلك أمر الشركات حولت الكائن المعقد من كائن كَيْفِي إلى كائن رقمي، استاتيكي جامد، كَرُوبُوت بيولوجي، وبهكذا سلوك تأثرت أكثر المعاملات الإنسانية قُدسية كعلاقة الزواج والصداقة ونمط التفكير… ، وبالتالي كان ماركس محقا حين توقع أن النظام الرأسمالي الفاحش سيقوم بتشييء كل مقدس حتى الدين. فالإنسان -بلغة الفيلسوف الألماني دوركهايم، ابتلعه النظام كفريسة ضعيفة، مستغِلة نقط ضعفه الغريزية التي لا يعيها؛ والأدهى أن كل هاته الجرائم تقع بغطاء القانون وبمباركة السلطة !

فهل كان جون رولز محقا حين اقترح في طرحه مفهوم العدالة كإنصاف، أو ماسماه بديمقراطية ملكية الملكية، وهي منع فئة قليلة من المجتمع الانفراد بإدارة الاقتصاد، و اعتبره بديلا جادا للرأسمالية. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *