بائعة المناديل

مقتطف من مشاهد يومية لأطفال الشوارع

ذات صباح وأنا أقف عند النافذة أجيل بصري في الشارع من تحتي لشدة اختناقي من هواء هذه الحياة، شدني منظر فتاة لا يتجاوز عمرها خمس عشرة سنة على الأغلب، تبيع المناديل عند الإشارة الضوئية.
رغم أن هذا المنظر صار مألوفا في الشوارع، لكنه لسببٍ ما جذبني ووجدتني أتتبع حركاتها وأتأملها للحظات. ملابسها خفيفة جدا لا تمت لفصل الشتاء بصلة، جسدها نحيل وبضاعتها مناديل ورقية زهيدة الثمن، تحرث الشارع جيئة وذهابا عند كل إشارة حمراء ولا أحد يشتري؛ ومع ذلك تعيد نفس الشيء في كل مرة تتغير الإشارة من الأخضر إلى الأحمر.. إصرار عجيب!!

ولوهلة فكرتُ ترى بماذا تحلم هذه الفتاة وما هي أقصى أمنياتها؟ ألاَ تمل؟ ألاَ تتعب؟ إلى متى تبقى هنا؟ نسيت نفسي وأكملت مراقبتها لعدة دقائق أخرى، استفقتُ بعدها من غفلتي وعدت لعملي بعد أن اِستحوذَت هذه الفتاة على تفكيري لمدة… انتهى يومي وغادرت المكتب وقبل أن أذهب التفتُّ تلقائيا ناحية الإشارة فوجدتها في نفس المكان، تساءلتُ مع نفسي: متى ينتهي دوامها؟ متى يتوقف هذا التعب؟

مع مرور الأيام اكتشفت أنها تتواجد كل يوم في نفس المكان بنفس الملابس وعلى نفس النمط، سواء حضرت باكرا جدا في الصباح أو غادرت متأخرة مساءاً. كم يدوم هذا الدوام إذن؟ لقد صارت جزءاً لا يتجزأ من هذا الشارع، انصهرت فيه حتى صارت من معالمه.
ووجدتُني أقارنها بقريناتها، وكيف أن لديهن اهتمامات أخرى كالدراسة مثلا أو الهوايات وأيضا المشغولات بمواقع التواصل الاجتماعي واللواتي يتنافسن على الإعجابات التي تحصدها صورهن وآخر الهواتف وألوان الشعر والقصَّاتُ وأزياء الممثلات. هل تعلم هي شيئا عن هذا العالم؟ هل تخطر ببالها نفس الأفكار؟ هل تتمنى أن تكون مثلهن؟ هل تعرف أصلا عالما آخرا غير هذا الشارع؟

اليوم قررت أن أكلمها، اتجهت نحوها حاولت أن أحادثها فجَرَت مسرعة لأن الإشارة تغيرت ولم أستطع أن أكلمها. أعدت الكَرَّة عدة مرات دون جدوى، ففهمت أن عالمها ليس فيه إلا السيارات الواقفة في الإشارة وما غيرها مجرد أطياف..
أصبحت مراقبتي لها روتينا يرافق كأس الشاي خلال فترة الاستراحة. رأيت كيف أن ملابسها لا تتغير ولكنها لا تبدو متسخة، كيف أنها لا تتغيب ولا تمل من نفس الحركات حتى صارت أوتوماتيكية.
وجهها لا يحمل أية تعابير، لا تتكلم مع أحد ولا تقوم بأية ردة فعل، هناك من يشتمها لأن الإشارة أصبحت خضراء وآخر يرفض عرضها دون أن يلقي عليها نظرة وأخرى تغلق النافذة قبل أن تصل إليها…
مضت الأيام وتغيرت الفصول والسيارات والسائقون، حتى الإشارة تتغير بينما هي يتغير فيها شيء، لا لباسها ولا حركاتها الآلية…

لكن اليوم تغير شيء ما، قبل موعد الشاي بدقائق سمعت صوت الفرامل وهي تحتك بالأرض وحين هرولت إلى النافذة وجدت الجميع يتجمع حول الحادثة، نزلت بسرعة؛ صدق تخميني إنها هي غارقة في دمائها، ولأول مرة هناك شبح ابتسامة على وجهها. توقفت أنفاسها وحركاتها، كان المنظر مريعا وصادما، لا أحد يعلم شيئا عنها، لا أحد يعرف حتى اسمها..
جاءت سيارة الإسعاف وانفض الجمع ولا أحد يعرف أية تفاصيل.
لم تفارقني الصدمة يومها وشغل الموقف تفكيري طوال الليل وحتى الصباح، أخذت نفسا عميقا قبل أن أدخل الشارع وتساءلت كيف سيبدو من دونها.
في نفس المكان لا أثر لدماء الأمس، السيارات تقف في الإشارةالحمراء، فتاة أصغر قليلا بنفس الهيئة تبيع نفس البضاعة وتقوم بنفس الحركات.
توجهت نحوها فتحركت باتجاه السيارات دون أن تلتفت…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *