نبضات في قاع البحر

عذابات الفقد

سمعت نحيبه وبكاءه في الأرجاء فعلمت أن تلك الابتسامات والقهقهات ماهي سوى وهم ليخفي عن العلن عمق جراحه، كان يضحك ملء أشداقه حتى بات بكاؤه في العلن مستحيلا، ظل هكذا يتأرجح بين خط رفيع من الضحك والبكاء فترة من الزمن .قد يخيل لك أنني أحسده على فرحته واتمنى له الحزن لكن ليس هينا علي رؤيته يعاني في صمت…

دموع وسط عيون الأبوة رأيتها تصارع وسط ضحكاته تريد أن تتدفق كشلال من مخزنها…ابتسامات زائدة عن حدها جرعات وجرعات كان يحاول من ورائها تصنع القوة والثبات و لم يعلم أن هناك من هو أدرى منه بحزنه، امتنع أشهرا و أشهرا عن الأكل والشرب حتى بات يخيل له أنه ميت في الأساس  وينتظر فقط ختما لشهادة الوفاة…

في صمت واضح للعيان كان يعيش ويتعايش مع آلامه وكأنها جزء لا يتجزأ منه أي جزء من تركيبته البيولوجية الأساسية…أعلم أنه يقاتل هنا ويصارع هناك في القاع، كما أعلم تمام اليقين أنه عما قريب ستخار قواه ليعود إلى حبوبه المهدئة مجرجرا أذيال خيبة وفشل.

لم يرقني وضعه البتة، استشرت أطباء هنا وهناك ليكون التشخيص أنه في المرحلة الأولى من متلازمة الجثة Syndrome de cadavre ambulant، اعتقدت أن دوامة الإكتئاب هي السبب، جال من طبيب نفسي إلى آخر راغبا في الحصول على سلام نفسي بعيدا عن الندم والحسرة، وكلما اعتقد أنه تجاوز الحدث بآلاف الكيلومترات عادت نسمة البحر لتجعله من جديد طريح الأرض وسط ذكريات جريحة موحشة؛ نعم في كل مرة حاول الوقوف على قدميه يعود من جديد نصب عينيه مشهد ابتلاع البحر لفلذة كبده التي لم يكن قد مر على عيد ميلادها السابع سوى أيام معدودة، صراخ فتاته وهي تطلب النجدة وسط أنياب البحر أمست نغمة أذنيه حتى تمنى أن يصبح أصما. وسط كوابيسه المزعجة لم يكن ينام الليل إلا نصفه بعد أن يأخذ حبات وحبات من مسكنات ومهدئات ذات التأثير الفوري والقوي.

كيف لجراحك أن تهدأ وأنت سجين قاع البحر؟! اترى بقيت تقاوم وتقاوم حتى اختلط ليلك بنهارك ودمعتك بفرحتك والآن استسلمت تمام الاستسلام داخل غرفتك مع اكتئابك ووسط بكائك، اعتقدت أنك تحاول السيطرة على الأمور لكنني لم أكن أتخيل أنك تخفي جراحك دموعك وندمك داخل حبوب منومة لتبتلع الكل داخلك كما ابتلع البحر صغيرتك، بقيت تسبح عميقا ومازلت …يا آسفي عليك!

لا شيء من هذا أو من ذاك سيعيد التوازن داخلك، فقط حاول التخلص من العمق وانظر عاليا هناك سماء تذكرنا دوما بأن ثمة” رب الخير لا يفعل لنا سوى الخير“….حان الوقت لتضمد جراحك وتوقف نزيفك الحاد. كم من الوقت تنوي البقاء راسبا رسوب الرمل في جوف البحر بين تلك الذكريات؟ حان الوقت لتنظر إلى الجزء الممتلئ من الكأس وتهز برأسك إلى السطح.

لا تجعل من هدوء البحر وأمواجه أن تكون في عينيك سوى حجارة من رمل وكسور أحلت بفؤادك الخراب… انهض كفى!!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *