الحمولة الانفعالية للجسم

مقاربة نفسية لانفعالات عضوية

لعل المقاربة البيولوجية تعتبر الجسم مجموعة من الأجهزة، وكل جهاز يتكون من أعضاء، وكل عضو يحتوي على أنسجة، وهذه الأنسجة بدورها تتكون من خلايا، فكل عضو له دور ووظيفة فيزيولوجية معينة، فمثلا العين وظيفتها الرؤية والأذن وظيفتها السمع، والقلب وظيفته ضخ الدم والرئة وظيفتها جلب الأوكسجين وطرد ثنائي أكسيد الكربون..

نحن هنا أمام بنية تعمل بشكل متكامل ونظام يشتغل بشكل دقيق من أجل تحقيق التوازن .. لكن ما مدى كينونة الإنسان ضمن هذه المقاربة العضوية، هل جسم الإنسان هو جسم بيولوجي محض أم أن هناك عوامل أخرى تغلف هذا الجسم؟ هل جسم الإنسان هو جسم حر ومستقل أم أن هناك نسقا من الانفعالات تغلف الجسم وتحتل كينونته ؟
لذلك لا بد من العودة هنا إلى إحدى التجارب المشهورة، والتي قام بها عالم الفيزيولوجيا إيفان بافلوف وأسس نظرية سماها بالإشراط الكلاسيكي.

بافلوف كان يدرس فيزيولوجيا الهضم عند الكلاب واكتشف أنه عندما كان يقدم لها الطعام تصدر استجابة فرز اللعاب بمجرد سماع خطوات أقدامه فقط، حينها أدرك أن الكلاب تقوم بربط أشياء هي في الأصل غير مترابطة، وبدأ يقدم الطعام كمثير طبيعي للكلب مرفوقا قبله بصوت الجرس كمثير شرطي (غير طبيعي)، و بعد تكرار التجربة لعدة مرات أصبح الكلب بمجرد سماع صوت الجرس يسيل لعابه، وهنا أصبح المثير الشرطي (الجرس) يأخذ خصائص المثير الطبيعي (الطعام)، ويحدث نفس الاستجابة التي يحدثها المثير الطبيعي، وبالتالي فصوت الجرس بالنسبة للكلب أصبح يساوي الطعام ..
وإذا أردنا أن نسقط هذه التجربة على الإنسان، سنجد أن مبدأ الإشراط يكون حاضرا بقوة منذ الولادة ، فالطفل يستقبل الطعام عن طريق ثدي الأم، لكن المفارقة هنا هو كيف يقدم الطعام للطفل؟ فشتان بين الأم التي تقدم ثديها للطفل بحنان وعطف وبين الأم التي تقدم الثدي للطفل بتحقير وكراهية، فالطفل منذ البداية يقوم بربط الثدي إما بمشاعر إيجابية أو بأخرى سلبية، وبالتالي فالثدي المقدم سيكون مغلفا بالانفعالات وهذا من شأنه أن يؤثر على التكوين والبناء النفسي للطفل إما إيجابا أو سلبا.
ويتمظر هذه الغلاف الانفعالي للجسم أيضا في علاقات الحب، فعادة ما نسمع الحبيب يقول لحبيبته (نتي هي عيني، نتي هي قلبي، نتا هو كبيدة ديالي..)، وهذه دلالة على أن المحبوب احتل كيان الجسم وتربع عليه، فلم يعد الجسم موجودا لذاته بل أصبح حاملا لشيء ما.. ونلاحظ أن ذهاب المحبوب تقابله عبارات من قبيل (قطعلي قلبي، قطعلي كبدتي، قلبو كحل، قلبو بحال الحجر…) وغيرها من العبارات.
وقد نلاحظ في العديد من الاضطرابات النفسجسدية أن هناك مرضى يعانون من أعراض جسمية بالرغم من غياب أي سبب عضوي، فتجد مثلا أن المريض لا يستطيع تحريك يديه أو رجله ويحس بأن أحد أعضاء جسمه شلت من الحركة وهنا قد تقابله عبارات من قبيل (فلان طيحلي كتافي، فلان طيحلي ركابي..)، وهنا دلالة على أن ذلك الشخص قد أتعب الجسم وسبب له الإرهاق مما جعله غير قادر على الحركة ..

إن الوقوف على هذه الأمثلة لا يعني إرجاع الأسباب إلى ما هو انفعالي، كما أنه ليس انتقادا أو تقصيرا لأية مقاربة، بل هي دعوة صريحة إلى الاهتمام بالحمولة الانفعالية للكلمة ومدى تأثيرها بشكل أو بآخر على الجسم، فالكلمة لا تأتي عبثا وإنما لها دلالة عميقة وجب البحث والتنقيب في ثناياها..

الحمولة الانفعالية للجسم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *