“خضر وفواكه بين الأصول والمآل” الجزء الأول

الطماطم من الخضر أم الفواكه ؟

إذا طرحت عليك سؤالا وقلت لك هل تعتبر الطماطم من الخضر أم الفواكه ؟ فسيكون من البديهي أن تجيب وبدون تردد بأنها من عائلة الخضروات؛ وإذا سألتك مجدداً لماذا؟ سترد وأنت واثق، لأنها ليست حلوة، وعادة ما تؤكل مع الخضر، وسيكون هذا جوابا كافيا شافيا تستطيع إقناع أي شخص به. لكن سأرد عليك بمنتهى الصراحة وسأقول لك عندها أنها ليست ضمن الخضر، بل هي فاكهة: نعم الطماطم من الفواكه!.
فيا ترى ما السبب الذي جعل الناس يعتقدون أنها من الخضروات؟ وهل فعلا يمكن للفاكهة أن لاتتصف بسمة الحلاوة؟ وبصفة عامة، ماهو تاريخ هذه الأصناف من الأغذية وما مدى فهمنا لمكوناتها وميكانيزماتها ؟

بداية، ومن الجانب العلمي، تعرف الفاكهة بوصفها تلك البذور التي تأتينا من مبايض الزهرة، أو بطريقة أخرى، هي الثمار التي تحملها النباتات والتي تشكل غطاء يحمي بذورها. فإذا قمنا بإسقاط هذا التعريف على الطماطم الذي سلف ذكره، فإننا سنجزم إذا أنها فاكهة كالفراولة والبرتقال وغيرهما.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، كون الطماطم فاكهة، فما الذي يجعلها لاتحتوي على سكريات تجعلها حلوة المذاق كباقي أصناف عائلتها ؟

فعلا، معظم الفواكه تكون حلوة المذاق وذلك بفعل منسوب السكر العالي بداخلها، وهذا نتيجة نهج النباتات المنتجة لهذه الفواكه استراتجيات متعددة ترفع من خلالها منسوب السكر بداخلها بهدف جلب الحيوانات البرية لأكلها وبهذا تضمن انتشارها عن طريق نوع من أنواع توزيع البذور المسمى ب “seed dispersal“.

لتبسيط هذه العملية أكثر، عندما ينجذب الحيوان نحو الفاكهة نظرا لحلاوتها ويأكلها، وتحديداً على مستوى معدته، لا يستطيع هضم بعض البذور التابعة لهذه الفاكهة، وبالتالي عند تنقله من مكان لآخر وأثناء تخلصه من فضلاته، سيساهم حينها وبشكل غير مباشر في توزيع هذه البذور على نطاق واسع وكذا ضمان استمراريتها، ويعتبر هذا من بين الأسباب المباشرة المفسرة لنظرية تميز الفواكه بمذاق حلو.

رجوعا إلى الطماطم، وللإجابة عن السؤال الذي سبق طرحه، فالطماطم وفي فترة من الفترات كانت حلوة المذاق كباقي الفواكه، لكن، وبفعل تدخل الإنسان باعتباره المستهلك الأول لمثل هذه الأطعمة، حدث هذا التغيير الجذري وذلك عن طريق التفضيلات والتغييرات التي أحدثها عليها، فمنذ اكتشاف هذه الفكاهة تمكن الإنسان من تطبيق مايسمى بتحسين النوع النباتي “Plant Breeding” عليها.

يجب الإشارة إلى أنه في الأصل كان للطماطم حجم صغير كحجم التوت، وكانت تتميز بعدة ألوان، فمنها الأصفر والأخضر والبفسجي وغيرها، حيث كان يطلق عليها اسم “الطماطم البيروفية البرية” التي كانت تتميز حينها بمذاق حلو.
لكن ومع الوقت بدأ الإنسان يسلط الضوء على بعض الأنواع ويختارها ويزرعها من بين أخرى، وخصوصا ذات الحجم الكبير والطراوة، وذلك بدافع رغبة الإنسان المتوجهة دائما نحو الشكل والحجم الأكبر من أجل تحقيق الشبع. مما أدى إلى انخفاض في أنواع الطماطم الأصلية نظرا لعدم زرعها، واهتمام الإنسان بالطماطم ذات الحجم الكبير فقط والتي كانت تفتقد للحلاوة المعروفة في الطماطم أنذاك، بل وأدى إلى خسارة الجينات المسؤولة عن منسوب السكري المرتفع في الطماطم الشيء الذي جعل الإنسان الحديث يعتقد أنها تنتمي لفصيلة الخضر.

وهذا ماحصل بداية بالضبط مع الرومان من خلال السلطة الرومانية المعروفة بغناها بالخضروات عموما والطماطم خاصة، فأخذت بذلك طابع الخضر وأصبحت من ضمنهم حيث تباع بجانبهم، بل وتستعمل كاستعمالهم، الشيء الذي يعارض طبيعة هذا المكون الربانية.

لايمكن اعتبار الطماطم النبتة الوحيدة التي ساهم الإنسان في تغيير شكلها ومحتواها، فهناك العديد من الأمثلة الشاهدة على تدخل الإنسان الرئيسي والمباشر في هذه التغييرات والتي وجب ذكرها وفهم أصولها و مآلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *