أي شيء نحارب في الحياة

قصة قصيرة جدا

هكذا يعيش أيامه، أشعة الشمس لفحت وجهه ونار الغلاء كوت ظهره، يمشي على إيقاع جراحه على مهل، تارة يعزف الصداع سمفونية في عقله، تليها معزوفة لضيق التنفس، فأنين عضلات رجليه الملتهبة من كثرة الوقوف و المشي..

في الأربعينات من معاناته، طويل كانتظاره عيشا كريما طول عمره، عريض الجبهة واسع المنكبين كسعة قلبه، وحيدا يخرج كل صباح، تنتظره باب السوق انتظار العشاق، ويمشي هو نحوها كمن يمشي إلى حتفه، يبحث عمن يحتاج لحمل الأثقال سواء إفراغ شاحنة من الحمولة أو مساعدة بعض الأشخاص في حمل بضائعهم، فيحمل مع كل كيس جرحا جديدا مقابل جهد يُفقده مع الوقت ما تبقى من قوته، مبلغ زهيد لقاء ما تبقى من رمقه، كم تمنى لو يرص حياته كما يرص الأكياس التي تنتظره، ليصنع منها جدارا متراصا يشد بعضه بعضا، ويسند بعضه بعضا.

انتهى من إفراغ الحمولة فجلس على الأرض، ظهره إلى الجدار ورأسه بين يديه، كأنه يخشى من ثقل ما يحمله أن يسقط منه، أخذ يستنشق بعض الهواء ليستعيد بعضا من نشاطه، رغم أن ما يذهب لا يعود كاملا، لا يعود كما هو ولا كما ذهب، فنحن نتغير مع مرور كل لحظة من حياتنا، نحن لا ننجح في استرجاع ما سقط منا في كل محطة من محطات الحياة، لا ذلك الجزء من سنوات الطفولة، ولا ذلك الحماس للأشياء التي تبدو لنا الآن تافهة، ولا ما كان يبهرنا قبل أن يصير غير مرئي لنا، لذلك نحن نحِنُّ دائما لما كنا، وأحيانا نحس أنفسنا أغرابا لا نعرف ذواتنا أو غريبين عما كُنَّاه ذات يوم، ذلك أننا نفقد مع كل محطة من محطات الحياة شيئا منا ونكتسب شيئا آخر..

تناهت إلى سمعه همهمات تجري خلف الشاحنة المفرغة، “هداك ماشي حميد؟”، ” شكون؟ ديك الحمال؟ الاَّ مايمكنشي”، صوت مألوف محفوظ في خفايا ذاكرته، لكنه لا يذكر صاحبه، غير أنه موقن من أنهما يعرفانه، وهذه حاله كلما التقى نظرات الشفقة من أناس يعرفون ذاك الذي كان يسمى “حميد”، انسل من وراء الشاحنة خلسة حتى يبتعد عن الأنظار، فما تبقى من ذلك الإباء يأبى نظرات الشفقة التي صارت أكثر شيء يكرهه..

نظر من خلال فتحة إلى وجهيهما، تذكرهما، كانا زميليه أثناء الدراسة، حين كان إنسانا، حين كان له اسم خاص ينادى به غير “الحمال”، يوم كان أصدقاؤه كثرا، قبل أن يصير “لا أحد”، يوم كان وسيما، أنيقا، لا متسخا، يوم كان له أب يسنده قبل أن يموت ويظل بلا سند، يوم كانت له مكانة قبل أن يصير بلا قيمة في أعين الناس..

وراح فكره يستحضر الصور، أيام الجامعة، المدرجات المملوءة بالطلاب، المحاضرات التي يخيل إليك عند الاستماع إليها أنك ستصير عالِما قبل أن تكتشف أن الواقع منها براء، وحلقات “أوطم”، ذاك الحس النضالي الذي يملأ كل ذرة منك فتحس نفسك مستعدا لتغيير العالم، دحر الفقر، القضاء على الفوارق الاجتماعية، بل وحتى تحرير الأقصى، لكنك ما تفتأ بعد الجامعة تجد العالم فارغا بلا حلبات صراع، بلا حلقات نضال، بلا شعارات رنانة، بل تجد نفسك تكافح أشباحا لا تدري حتى ما هي أسلحتها، تحارب البطالة، تحارب الفقر، تحارب كرامتك ورجولتك وأنت تمد يدك لأبيك، وأنت ترى أمك مريضة ولا حول لك ولا قوة، تحارب العالم الرأسمالي الذي لا يهتم بكونك تتضور جوعا، تحارب وتحارب بلا نهاية، لكن كلها أشباح لا حول لك في القضاء عليها، فتستحضر الشعارات الرنانة والاستراتيجيات الناجعة، مقاطعة الدروس، تأجيل الامتحانات، محاصرة العميد… ما أبسطه كفاح الجامعة، لكن في الحياة ماذا تقاطع؟ وماذا تحاصر؟ لا توجد قوة تجابهك، بل كلها أشباح تتحكم فيك عن بعد..

وراح يتأمل المناضل الذي كانه، جمل التنويه لخطاباته، تصفيق الأصحاب ونظرات الإعجاب في عيون البنات.. سقطت دمعة من عينيه الكريمتين الذابلتين قبل الأوان، وتذكر أنه تأخر عن صاحب الشاحنة الأخرى التي تنتظر الإفراغ، تابع بعينيه مغادرة صاحبي الدراسة وتأكد من ابتعادهما عن الأنظار قبل أن يعود لمتابعة عمله، تقدم نحو صاحب الشاحنة؛ “اسمحلي تعطلت عليك شوية جاني شي ظرف طارئ”.. لم يتلقى سوى نظرات قاسية، “هاهاها ظرف طارئ؟ نتا هو مدير بنك المغرب ياك؟ اوا سير دابا مع الظرف ديالك راك مطرود”،…
لم يدري بما يجيب، وعادت صور الجامعة، المدرجات المكتظة، الشعارات، أوطم، صوره وهو يلقي الخطابات، ماذا يجابه الآن؟ من يسمع صوته؟ أين الجماهير الطلابية؟ أين العميد؟ أين أوطم؟ وراح شاردا يهذي.. نتا مطرود.. مطرود .. مطرود….!

أي شيء نحارب في الحياة