fbpx

القضاء الدستوري وقضائية السياسة “ج 3”

الإحالة إلى القاضي الدستوري في قلب استراتيجيات الفاعلين (المشرّع)

لقراءة الجزأين السابقين:
الجزء الأول الجزء الثاني

ثانيا: الإحالة إلى القاضي الدستوري في قلب استراتيجيات الفاعلين (المُشرع)

نظراً لتقييد الدستور لسلطة الحاكمين فإن هؤلاء قد ينزعون لخرقه بإصدار تشريعات مخالفة لأحكامه. ولضمان احترام سمو الدستور، فإن المشرع الدستوري يقيّم مراقبة القوانين. وتمتاز رقابة القضاء الدستوري بكل ما يمتاز به الجهاز القضائي من حياد وبعد عن التيارات السياسية وأهواء الأحزاب، كما أنها تمتاز بوجود قاض متخصص في تطبيق القوانين، فالرقابة على دستورية التشريع مهمة ذات طابع فني متميز ينبغي أن يتوفر في من يتولاها معرفة ودراية بالدستور وهي أمور قانونية بحتة.

قراءة النص الدستوري تمكن القاضي من اكتشاف معناه، وفي حالة غموضه (أي المعنى) فإنه يتم تجاوز هذا الوضع عبر الرجوع إلى الأعمال التحضيرية أو لإرادة المشرّع الدستوري وإصدار قراره بذلك، إنها إذن عملية ميكانيكية يتم بمقتضاها التحقق من احترام عمل المشرع للدستور الذي يفترض أنه يتوفر على معنى واحد موضوعي.

لكن، لا ينحصر دور القاضي الدستوري في “العمل الميكانيكي” فقط، فعند وجود نص دستوري يقبل تأويلات متعددة بل يتحول إلى “وظيفة التأويل” التي تعني تحديد معنى النص الدستوري والاختيار بين المعاني الممكنة قبل مطابقته بالقانون المعروض أمامه، مما يجعل عمل القضاة غير محصور في صورة ” أفواه الدستور”، وإنما يكمن في خلق القاعدة القانونية المطبقة. وهنا يصطدم عمله بأول سؤال يمس شرعية مؤسسة القضاء الدستوري ويتعلق بالمبررات التي يستند عليها القضاة لإنشاء قواعد قانونية في وقت لا يتوفرون فيه على شرعية انتخابية تمكنهم من خلق القانون على شاكلة المؤسسة التشريعية؟

القضاء الدستوري له كيفية يتحول إلى مؤسسة مهمة تتمتع بسلطة تعديل غير قابلة للتجاوز، سلطة تعديل لأنها تستطيع إلغاء بعض المقتضيات التشريعية والقانونية والتصريح بتجريد البعض الآخر من آية آثار قانونية، وتحديد الشروط التي يطبق فيها القانون بموجب إبداء تحفظ أو ملاحظة، أو إعطاء توجيهات ونصائح لإعادة كتابة النص الذي رفضه عند تعليل قراراته، وحتى ما إذا اعتبر أن هذه المادة غير دستورية أو هذا المقتضى غير دستوري، إلا أنه يقوم بإعادة كتابتها وصياغتها بشكل كلي أو جزئي أو مفصل، من أجل عدم ترك أي مجال للغموض أو اللبس الذي أشار إليه، أو قد تكون المادة القانونية تتضمن فقرة واحدة مقتضبة، إذ ستصبح تتكون من فقرتين أو أكثر، أو تصبح هذه المادة مختلفة شكلا ومضمونا عن المادة الأصلية.

إن هذا التحول في طبيعة الرقابة الدستورية يضمن مساهمة إيجابية للقضاء الدستوري في الوظيفة التشريعية، إذ تمنح له هذه التقنيات بإدخال تعديلات أو تفسيرات على العمل القانوني المعروض عليه ما لم يقصدها أو قصدها صاحبها من خلال هذا العمل.

قد ذهب في توسيع رقابته على السلطة التقديرية للمشرع باستعمال مجموعة من التقنيات، من قبيل التحقق من أن المشرع لم يخطأ أو وضع أهداف في تقديره للوقائع التي على أساسها قام بسن قانون معين، وكذا استخدام القضاء الدستوري تقنية التناسب التشريعي، إذ كما هو معلوم أن أي قانون يتضمن عنصران أساسيان: الأول هو تحديد هدف معين والثاني تحديد الوسائل الآلية لتحقيق هذا الهدف، فالقاضي الدستوري أثناء عرض على أنظاره هذا القانون فإنه يراقب العنصرين معا، بمعنى آخر، يراقب هل أن المشرع من خلال سنه قانون ما واستخدامه وسائل معينة للوصول إلى هدف معين، ويراقب هل أن هذه الوسائل تحقق هذا الهدف أم لا فالتناسب المفروض هو ما بين الهدف والوسائل الآلية لتحقيق هدا الهدف.

كما يعتبر معيار المصلحة العامة أو الصالح العام من بين الوسائل التي يعترف بها القاضي الدستوري للمشرع بتقييد بعض القواعد والمبادئ الدستورية الصريحة باسم المصلحة العامة أو تحقيق بعض الأهداف ذات القيمة الدستورية، كما يوفر في المقابل للقاضي الدستوري هامش كبير نوعا ما للحكم على مدى ملائمة الأهداف التي يصبو إليها المشرع أو صاحب العمل القانوني مع الغاية المنشودة منها، وذلك باسم معيار الصالح العام، تأسيسا على ذلك يقوم القاضي الدستوري بالتوفيق بين المبادئ الدستورية المتناقضة، خاصة في مجال الحقوق والحريات الأساسية.

إلى جانب هذه التقنيات والآليات الرقابية، يعمل القاضي الدستوري في بعض الحالات على التدخل من تلقاء ذاته، بإثارة بعض المآخد المتعلقة بالإجراءات التشريعية، حتى من دون إثارتها في وسائل الطعن، وذلك كلما تبين له أن المشرع أغفل ممارسة اختصاصه أو تنازل وترك جزء من هذه الصلاحيات إلى مجموعة أخرى تشرع في محله، أو إذا تبين له أن المشرع تعدى على مجال غيره، وذلك تحت طائلة عدم الاختصاص السلبي أو الإيجابي، وقد يذهب القاضي الدستوري إلى أبعد من ذلك، ويراقب قصور المشرع على اتخاذ بعض التدابير التشريعية اللازمة لتطبيق القواعد الدستورية، إذ يقوم بإخبار ولفت انتباه المشرع إلى ضرورة اتخاذها، علاوة على ذلك، يتدخل القاضي الدستوري في صميم المسطرة التشريعية لتصنيف المقتضيات التشريعية من حيث الشكل ويحدد طبيعتها القانونية.
أما المشرع فالتجربة الدستورية المغربية بعد دستور 1992، تمتاز بعدم وجود تعدد المشرّعين، فالمشرع الوحيد هو البرلمان (السلطة التشريعية)، كما جاء في الباب الرابع من دستور 2011 .. ولأجل ذلك، فإن المقصود بالمشرع في هذا البحث هو البرلمان.

وتكمن أهمية هذا الموضوع في كونه سيلقي الضوء على الأدوار غير المعلنة للقضاء الدستوري، مثل التوجيه والتأطير والمشاركة والمساهمة في العمل التشريعي، وهذا بفضل التحولات التي طرأت على اجتهادات القضاء الدستوري التي باتت تغطي كافة المجالات، وأن وظيفة المراقبة الدستورية، تجعل القضاء الدستوري مشاركا في المسلسل خلق القانون سواء تعلق الأمر بنموذج المراقبة القبلية أو البعدية، مما يطرح معه سؤال الجهة التي اتخذت فعليا القرار بشأن النص القانوني هل البرلمانيين (السياسيين) أم القضاة الدستوريين؟

تدخل عملية تحديد أهداف القانون أو التشريع في صميم السلطة التقديرية للبرلمان، الذي يعود له الأمر في حرية اختيار استراتيجيات و الأهداف، وإليه يرجع اختيار توجهات السياسية التشريعية، رغم هذه السلطة فإن القاضي الدستوري طور بعض التقنيات المنازعاتية التي تسمح له بالتأثير أو بالأحرى قلب الأهداف الاستراتيجية للفاعلين، إذ أظهرت اجتهاداته أنه يملك وسيلة أساسية بمقتضاها يمكن له التأثير على هاته الاستراتيجيات، ويتعلق الأمر بسلطة التحقق من وجود ” معيار الصالح العام أو المصلحة العامة ” أثناء تقييد المشرع لبعض المبادئ الدستورية. ووضع استثناءات على ممارسة بعض الحقوق و الحريات الأساسية باسم المصلحة العامة، أو رفض بعض أهداف البرلمان بحجة عدم تمايلها مع المصلحة العامة.

فالمشرع العادي يمكنه أن يحدد مضمون التشريع الذي يرغب بوضعه دون أن يخضع اختياراته لمدى اتفاقها مع أحكام الدستور . أما في حال وجود جهة قضائية تمارس الرقابة على الدستورية فإن وجود هذه الهيئة لا ينفي حرية المشرع العادي على الاختيار. ولكنها حرية محددة في نطاق معين، وحدودها المقررة دستوريا خاضعة للرقابة . ومع ظهور القضاء الدستوري كسلطة مضادة وكجهاز للضبط موكول له وظيفة مراقبة اشتغال المؤسسات السياسية وتوجيه إرادة المشرع التي لم تعد تمارس وبشكل منظم إلا في احترامها للقواعد الدستورية بغض النظر عن الظروف السياسية المحيطة بها . وكذلك المجال الذي يعمل في نطاقه البرلمان من جهة والقضاء الدستوري من جهة أخرى. واذا كانت صلاحية التشريع من اختصاص البرلمان، فإن القضاء الدستوري في بته في دستورية القوانين قد يأتي باجتهادات يذهب فيها بعيدا في تفسير الدستور، ما يجعله بمثابة من يلقن دروساً للبرلمان في التشريع، وما يقوده أحيانا الى الميل للحلول مكان البرلمان.

في معرض النظر في دستورية القوانين، ينشئ القضاء الدستوري قواعد تلزم المشرع التقيد بها، أو ترشده الى وضع التشريع الذي لا يتعارض مع الدستور. وهذا ما دفع البعض الى اعتبار القضاء الدستوري شريكاً في التشريع . واذا كان الشريك هو من يشارك في القرار، فمن يستطيع ان يمنع القيام بعمل ما هو شريك أيضاً. والقضاء الدستوري هو شريك في التشريع حتى في الحالات التي لا يراجع فيها بشأن دستورية قانون.

ومن تم فإن اجتهاد القاضي الدستوري سيؤدي إلى إرساء تبعية السياسي للقانوني عبر احتكار القضاء الدستوري منح الشرعية القانونية للقرارات السياسية التي لم تعد تستند على أساطير الإرادة العامة واحتكار تمثيل الأمة، وتأسيس القانون الدستوري للاجتهاد القضائي الذي يجعل من القضاء الدستوري سلطة في مواجهة كتلة تضم السلطتين التشريعية والتنفيذية وككابح لاندفاع السياسي ومحددا لضوابط وقواعد اشتغاله.

ولكن هل تؤدي رقابة الخطأ البَيّن في التقدير أن تصبح الجهة التي تباشر الرقابة على الدستورية سلطة مشرعة؛ بمعنى آخر هل تسمح رقابة الغلط البين في التقدير بشرعية الخلق القانوني للقاضي الدستوري (أو الخلق القاعدي للقاضي)؟
يجيب أنصار هذا الاتجاه بالقول أنه إذا تصور انحراف البرلمان بتشريعه عن الصالح العام أمر ممكن من الناحية العملية، طبقا لطبيعة تكوينه والقوى المؤثرة في عمله، وأن تعدد وكثرة أعضاء البرلمان ليس بمانع له من الانحراف. فإن تصور وقوع المشرع في غلط بين في التقدير أمر لا يرقى إليه شك لذات الاعتبارات، وكنتيجة منطقية فإن الأخذ برقابة الغلط البين في التقدير في القضاء الدستوري طبقا لمعايير موضوعية. تمنع مسئولية القاضي أن يتصرف على نحو آخر إلا بوسطة قواعد عامة، ليس فقط بإثارة اختياره الخاص، ولكن أيضا بالتأكيد على ضرورة الحل. وهو ما يعني السماح بمشروعية الخلق القانوني أو القاعدي من قبل القاضي الدستوري، بمعنى أنه يجب على القاضي أن يرتبط بأساس مقنع لخلقه المستقل، ويكون ذلك باستقائه من المعايير التي يعرضها والتي يكون لها التأكيد اللازم الذهني والمعنوي، والذي يبدو كمصادر مادية راسخة للقانون، ويكون من غير الموفق عدم ظهور هذه الرقابة المهمة في الحياة القانونية. وبناء على ذلك فإن طبيعة المحكمة التي تباشر الرقابة على الدستورية كسلطة مشرعة تتحدد من خلال رقابة الغلط البين في التقدير والتي تتم من خلال التفسير الدستوري، ومن ثم إرساء الضوابط الدستورية التي تستخلصها من النصوص الدستورية والتي يتعين على المشرع الالتزام بها، وإلا بطل عمله.

إن القاضي وهو يقوم بمهمته الأساسية في وضع القانون موضع التطبيق العملي يحتاج إلى فحص النصوص التي قررها المشرع بغية تفسيرها تمهيدا للحكم في النزاع المعروض عليه، لكن القاضي الدستوري وهو يقوم بهذه المهمة يجب عليه ألا يخرج عن نطاق المهمة التي أوكلها له الدستور، وهي الفصل في المنازعات، فيجعل من هذه المهمة سندا إلى مد نطاق اختصاصه ليدخل في اختصاصات المشرع، وعلى وجه الخصوص ممارسته لنطاق سلطته التقديرية التي تعتبر من أبرز أوجه عمله التشريعي، فإن القضاء الدستوري يعمل بدافع الحفاظ على احترام الدستور والمبادئ ذات القيمة الدستورية، وهذا ما يجعله في موقع الضابط لعملية التشريع.

إن فعل القاضي ذلك خرج عن نطاق الشرعية إلى بحث الملائمات السياسية التي يختص المشرع وحده بتقديرها. ولكن السلطة التقديرية للبرلمان ليست مطلقة كذلك ، إذ هناك بعض العوامل التي تؤثر في مسارها، وتحدد نطاقها، كما أن مظاهر هذه السلطة ليست واحدة في أركان القانون المختلفة. إذ تختص أو تكاد في بعض هذه الأركان، في حين تجد لها مكانا رحبا وواسعا في بعضها الآخر.

إن المشرع لا يمكنه، مهما اتسعت درجة حريته في الاختيار أن يتجاهل اتجاهات القضاء الدستوري. بل أن هذه الاتجاهات تجد صداها واضحا في التعبيرات التي يستخدمها المشرع والتي تعود أساسا للألفاظ التي بينها القضاء الدستوري في أحكامه.

ومما تقدم، نخلص على أن القضاء الدستوري لا ينحصر في مجال الرقابة على دستورية القوانين بل يشمل مجال التشريع عن طريق توجيه وتأطير عملية إنتاج وصناعة النصوص القانونية سواء بتقييد نطاقها وتحييده، والحذف، والإضافة والاستبدال، و إعادة صياغة المواد القانونية محل الرقابة، وإعطاء توجيهات وإرشادات للمشرع حول كيفية إعادة كتابة هده المواد في المستقبل، وكذلك توجيه الجهة المكلفة بتطبيقها حول الكيفية التي يتعين إتباعها لتطبيق تلك المواد القانونية.

تمت.

القضاء الدستوري وقضائية السياسة “ج 3”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله