إلى نزار قباني

مضت السنينُ يا شاعرَ القرنِ الغريب
مضت السنين ..
في كلِّ حرفٍ أنتَ موجودٌ وواضح
في كلِّ حزنٍ أنتَ موجودٌ وصادح
في كلِّ أرضٍ أنتَ منفيٌّ ونازح
في كلِّ حبٍّ أنتَ مزروعٌ كزهرِ الياسمين
مضت السنين يا عزيزي يا نزارَ الشعرِ
ويا شهيدَ الحبِّ والوطنِ الحزين
مضت السنين ..
وما تزالُ الشاعرَ الأصدق،
والشاعرَ الأشهر،
والشاعرَ الأصلي،
والشاعرَ الأوفى لدى كلِّ الأناسِ الطيّبين
وما تزالُ ..
دستورَ حبٍّ في قلوبِ العاشقين
وباروداً يزقزقُ في دماءِ الثائرين

قصائدُ الشعرِ التي بماءِ عينيكَ كتبت
نبتتْ حدائقَ جلّنار
من بعدِ مليونِ انفجارٍ وانفجار
طلعتْ كواحاتِ النخيل
عشرون عاماً أو يزيدُ على الرحيل
وأنتَ حيٌّ بيننا، تفتحُ الشبّاكَ كلَّ صباح
من بيروتَ، من لندنَ، أو دمشق
“ترسمُ الوطنَ الذي سرقوهُ
بالكلماتِ بحثاً عن خلاص”
وتحملهُ “كتابَ الحبِّ” أو “طفولةَ نهد”
وتلمُّ ما “قالت لك السمراءُ”
عن وجهِ المدينةِ حين يعلوها الصدأ

وفي جيوبِ قميصكَ العربيِّ
لوزٌ.. وتفاحٌ.. وزيتونٌ فلسطينيّ
وقصيدةٌ لم تكتمل
عن شعرِ بلقيس الطويل،
عن ياسمينِ الشام،
عن شابٍ دمشقيٍّ جميل
ذوّبهُ الحنينُ إلى البعيد
عن حزنِ المراكبِ في الأصيل
تقرأها على خيولِ بني حمدان
وعلى ملوكِ الجانِ وأطفالِ الحجارة
تعيدُ تلحينَ الصهيل
تعيدُ تعريفَ الحضارة

وتكتبُ عن خطوطِ يدينا وعن خطوطِ يديك
عن ما لدينا من جراحٍ في الصميمِ وما لديك
عن أميراتٍ عشقناهنَّ أطفالَ الميول
وعن أميراتٍ عشقت ..
عن وطنٍ نفاكَ بتهمةِ الإيمانِ بالإنسانِ
– كما نفانا – حين عن همومهِ قد كتبت
عشرون كارثةً وأكثرَ يا عزيزي مذ رحلت
حائرٌ ماذا أقول؟!
عشرون هاويةً نزلنا مذ رحلت
عشرون قرناً للوراءِ
بمحضِ رغبتنا رجعنا مذ رحلت
أعروبةٌ بقيت !! ونحنُ نعمِلُ السكينَ
في جسدِ الوطن ..
ونبيعُ آثارَ الوطن ..
ونبيعُ تفاحَ الوطن ..
ونعيدُ هولاكو إلى كرسي الرئاسةِ
كي تسودَ الطائفة ..
ونجمُنا العربيُّ يسرفُ في الأفول
وثورةُ الشعبِ الأبيِّ في ذبول
ماذا أقول؟!

عاجزٌ،
فالشعرُ أصبحَ لا يُقالُ ولا يقول
لا يُثارُ ولا يثور ..
فأراً فقيراً …
يقتاتُ أوساخَ الحقول
شعراؤنا جعلوا القصيدةَ حرفةً
راقصةً على بابِ القصور
ما عاد يُسمعُ صوتنا ..
ما عاد يُقرأ شعرنا ..
كلنا موتى هنا ..
والعائشونَ قد استقروا في القبور

إلى نزار قباني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.