مواجهة الصحافي الجامعي والوزير البصري

الحكم قدوة وليس قوة

إنه الصحافي الأكثر جرأة الذي لم يخشى بحروفه لومة المخزن ولا غضبة القصر، ولا أسوار السجن ولا التهديد به، وظل يردد ” ربي السجن أحب إلي مما تدعونني إليه“. حمل هم الوطن، ودافع طيلة حياته على ترسيخ الحرية ومبادئ الديمقراطية.

عُرف على الصحافي والمناضل السياسي في صفوف حزب الاستقلال سابقا، خالد الجامعي شجاعته، وقدرته على قول الكلمة ولو كانت ستنعكس عليه رصاصة تودي بحياته، لا شيء يهم مادام الذي يدافع عنه الجامعي هو قضية وطن.

هو الصحافي والمناضل الذي جعل من الشرف والصدق من أهم المبادئ في حياته، وأصبح نموذجا للحاليين والقادمين” يقول في حقه ابن عم الملك الأمير هشام العلوي: “تعلمت من الجامعي الكلمة الصادقة وكلمة الحق مهما كلف الثمن”، وأن “خالد مواطن ضحى بكل شيء من أجل المبادئ“.

جرأة قلمه وشجاعة كلمته جعلته محط تربص المخزن، على رأسهم وزير الداخلية سابقا ادريس البصري الذي كان يحارب الصحافيين، فواجهه الجامعي برسالة أقوى من المقال الذي سبب الصراع بينهما وجعلها رسالة مفتوحة للرأي العام في 1993.

كان الجامعي رئيس تحرير صحيفة “الرأي” التابعة لحزب الإستقلال، حين نشر مقالا تطرق فيه لتزوير الانتخابات التي تمت برعاية الداخلية، فأثارت جدلا ونقاشا واسعين، بلغا قبة البرلمان، واستدعاه البصري إلى مكتبه ليهدده بالسجن.

البصري يهدد الجامعي بالسجن

في رسالته إلى البصري وهو على عرش الداخلية حينما استدعاه إلى مكتبه، بعد مقال تزوير الانتخابات، قال الجامعي: “السيد وزير الدولة بتهديدي بالسجن وبإعطاء دور المدعى للكاتب العام لوزارة الإعلام، ألم تتجاوزا جميع الحقوق؟ ألم تكونوا في تناقض صارخ مع فصل السلط الذي ينص عليه الدستور؟ ألم تصبحوا الشرطي والمدعى والمحقق والقاضي؟“.

باسم أي قانون وأي حق وأي دستور تعاملتم؟ باسم أي نص يمكن لكاتب عام لوزارة أن ينصب نفسه مدعيا؟ هو الذي تندرج مهمته في المجال الإداري وليس السياسي؟ كيف يمكنني أن أقتنع في مثل هذه الظروف أن حرية حقيقية للصحافة يمكن أن توجد في بلدي؟”.

“كيف يمكنني أن أقتنع بأنني أوجد في دولة قانون؟ نعم كنت على حق وألف مرة على حق عندما لم أشارك في المناظرة التي نظمتم حول الإعلام قبل تسعة أشهر. لو أنني شاركت فيها، لما فعلت شيئا آخر سوى ترسيخ مثل هذه الممارسات اللاديمقراطية وشاركت في ترسيخ الاعتقاد بأن حرية الصحافة في بلادنا حقيقية وأنها ليست رهينة بمزاجكم لتحميني القوانين ضد هذا المزاج”.

ومع ذلك فجلالة الملك الحسن الثاني يلح في جميع خطبه على ضرورة حماية هذه الحرية، وهنا أيضا نفس السؤال المحير: لماذا لا تحترم هذه التعليمات الملكية بحذافيرها؟“. يضيف خالد الجامعي في رسالته المفتوحة إلى البصري.

“السيد وزير الدولة، في مقالي المتهم، ركزت مرتين على دور الملكية في بلادنا، شرحت بأن معركتنا تتمثل في تعزيز وتركيز ملكيتنا الدستورية الديمقراطية، فهذه قناعة عميقة وضرورة يمليها ماضي وحاضر بلادنا، فتنديدنا بالخروقات والتزوير الذي ميز الانتخابات في بلادنا منذ عدة سنوات وتصرفات الحزب السري –حزب الإدارة الذي ينتهي إلى أن يصبح حزبا وحيدا- لا يهدف سوى إلى إرساء دولة حق حقيقية وضمان استمرار ملكيتنا الدستورية، وإذا كان العمل في هذا الاتجاه سيشكل تحديا “ربي السجن أحب إلي مما يدعونني إليه”.

البصري للجامعي “شكون أنت؟”

“شكون انت؟” أكبر منك وقوا منكم هرستهم”.. جملة قالها ادريس البصري للصحافي خالد الجامعي عندما استدعاه إلى مكتبه، فاستفزه ووقف الجامعي وقال له “خطفتيني؛ سجنتيني؛ جلستيني على قرعة؛ بقا ليا الموت ولكن غادي نموت واقف والله لا مت جفاف“، يقول الجامعي، فغضب البصري على قوله ووقف وطرده من مكتبه.

المشاداة بين البصري والجامعي حينها دامت خمسة دقائق، وعندما خرج من مكتب البصري، كتب الجامعي رسالته الشهيرة في عشرين دقيقة “شكون أنت“، رفِض مدير الجريدة نشرها واتصل الجامعي بمحمد بوستى الأمين العام لحزب الإستقلال آنذاك، وأخبره أنه كتب رسالة يرد فيها على استدعاء البصري له، قدم الرسالة ليقرأها بوستى فأخبره أنه لن يقرأها وليعتبره أنه لم يجتمع معه وأمره بنشرها وإذا دخلت غدا السجن ” والله لا عرفتك“، يقول بوستى فرد عليه الجامعي “ شدوني في الحبس ولكن نشروا الرسالة” فنُشرت رسالة “شكون انت“.

وردا على سؤال وزير الداخلية ادريس البصري “شكون أنت“، قال الجامعي في رسالته المفتوحة للوزير: “سألتموني بلهجة جافة وسلطوية لا تخلو من احتقار “من أكون” لكن سؤالكم كان ينتمي إلى لغة أخرى، لغة الترهيب، هذا على الأقل ما أحسست به“.

وأكمل “ سيدي وزير الدولة، وإذا اعتبرنا أن حكومتكم قد تم تنصيبها، فإنه لا يوجد في أي قانون يمنحكم سلطة استدعائي إلى مكتبكم بمقر وزارة الداخلية، وفي كافة الأحوال، لا شيء يمكنه قانونيا تبرير استدعائي إلى وزارة ليس لي بها أية علاقة، أي وزارة الداخلية، يمكنكم إجابتي بالقول إنكم مكلفون أيضا بالإعلام، في هذه الحالة، فإن أقل شيء هو أن يجري اللقاء بمقر وزارة الإعلام“.

وقال الجامعي في رسالته كذلك: “سيدي وزير الدولة لا أستطيع منع نفسي من التساؤل عن الأسباب التي دفعتكم إلى التصرف بذلك الشكل، ربما كنتم متيقنين بأن الحكومة التي تنتمون إليها ستحظى دون ريب بالأغلبية الضرورية لتنصيبها؟ ومع ذلك فإنكم لا تنتمون لأي حزب أو كتلة، وأقل ذلك لا تنتمون لأي أغلبية، وبتصرفكم ذاك، ألستم تشكون في تصويت البرلمانيين؟ وإذا كان الأمر كذلك، أليس ما فعلتم استباقا لقرارهم ولحريتهم في الحكم على الأشياء ولاختيارهم الحر؟”.

تتابع الرسالة: “في جميع الأحوال فإن المشكل يبقى كاملا أي أنكم مرة أخرى، قد مارستم سلطة لا يخلوها لكم أي نص باعتباركم وزيرا بسيطا معينا، لا يزال ينتظر تنصيب الحكومة التي ينتمي إليها“.

الجامعي للبصري: “الحكم قدوة وليس قوة”

قال الجامعي في رسالته إلى ادريس البصري: “فمنذ 24 سنة، وأنا في المعارضة، ليست لي سيارة ولا أملك مسكنا أو حسابا بنكيا ولكنني لم أتغير، فمبادئي هي نفسها تعلمتها من الفقيه الغازي مع بوشتى الجامعي وبوشعيب اليازدي والمختار السوسي والحاج عمر بن عبد الجليل والهاشمي والفيلالي وعلال الفاسي“.

مغاربة تعلمت على أيديهم في منزل والدي بالدرب الإسباني الزنقة 12 رقم 9 درب السلطان بالدار البيضاء، المعنى العميق لهذه الحكمة التي قالها قبل قرون الخليفة عمر بن العزيز “الحكم قدوة وليس قوة”، هل هذا يشكل جوابا على سؤالكم الأبدي “شكون أنت”، لقد خاطبتكم كما يخاطب مواطن آخر، لأن على أي وزير، ولو كان وزير دولة، أولا أن يكون مواطنا وإلا كيف يستطيع أن يفهم المواطنين؟“.

وفي رسالته للبصري ذكَّرَهُ الجامعي أنه “عندما تولى أبو بكر الصديق الخلافة أعلن أمام من ولوه: “لست خيركم فإن أحسن أعينوني وإن أسأت قوموني”.. أليست هذه السيد وزير الدولة هي القاعدة التي يجب على أن تحكم العلاقات بين الحاكمين والمحكومين بصدق وبدون ضغينة“.

مواجهة الصحافي الجامعي والوزير البصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.