تفاهة عالمنا الرقمي

عن التفاهة التي تروجها وسائل التواصل الإجتماعي

أصبح الاستهلاك الأول للعقل العربي الأفكار التافهة التي أضحى إعلامنا موجها لها بمبالغة في الآونة الأخيرة. خصصت لها الصفحات الأولى والعناوين الكبرى المجودة صياغتها بما يجذب اهتمامات القارئ، ليقبل عليها ويتهافت بشكل فظيع على محتوياتها من فضائح وقصص اتهام وأخبار المشاهير وغيرهم. فسواء أ كانت حقيقة أم إشاعة، فإنها تباع بأكبر الأعداد وتحصد كثيرا من التعاليق والإعجابات والمشاهدات، مما يحقق لأصحابها الربح المادي والشهرة، بعيدا كل البعد عن الأخلاق والآداب العامة، وضوابط الممارسة الصحافية ووظائف الرسالة الإعلامية وأهدافها.

باتت مجتمعاتنا العربية تحت وقع صدمة تطور التكنولوجيا، إذ لا هي قادرة على مواكبتها و تطويرها، ولا هي متمكنة منها لتحدد كيفيات استخدامها، واستغلالها فيما يفيد و ينفع. خير دليل ما آلت إليه مختلف منصات التواصل الإجتماعي في السنوات الأخيرة، قبيل “واتساب” و”فيسبوك” و “أنستغرام” و”تيك توك” من قاعات لعرض التفاهة بنشر ما جادت به كاميرا الهواتف من صور وفيديوهات، والتعبير دون علم و دون حدود في ظل انعدام الرقابة التي جعلت العالم الرقمي فضاء يقال فيه كل شيء ويفعل فيه كل شيء، بعدما كان مجرد وسيلة للتواصل والتعارف… أما بالنسبة لمنصة “اليوتوب” فالكل فيها في سباق لاعتلاء واستحواذ المركز الأول في قائمة “الطوندونس“.

جاد هذا الأخير مؤخراً بمجموعة فيديوهات لا تعدو أن تكون ترفيهية لكن بشكل مبالغ فيه، تطمح إلى الربح بتسويق التفاهة وبفتح البيوت وخصوصياتها نحو الفضاء العام والمنافسة بذلك فيما لا يصلح للمنافسة.. فنجد أن الميكروفون أصبح متاحا لكل شخص يطلبه دون شرط لحصد الشهرة والنجومية، بعدما كانتا تحتاجان لعلم كثير وموهبة كبيرة وحظ عظيم.

يقول الكاتب النمساوي كارل كراوس: «هوت شمس الثقافة أرضا حتى أصبح الأقزام أنفسهم يظهرون بمظهر العمالقة» وإلى هذا المعنى يشير الفيلسوف الكندي آلان دونوا في كتابه “نظام التفاهة” : “... التافهون كثر من حولنا، يطلون من كل مكان، ويدخلون البيوت عنوة وما باليد من حيلة لطردهم..”.

أصبحت المواقع الالكترونية منابر للعبث والتفاهة، مما جعل شعوبنا من أطفال، شباب وحتى كبار يتهافتون عليها وتساهم –هي- في استحمارهم بإشباع وعيهم الفكري بأعمال توصف بالتافهة الرخيصة عوض الفكر والقراءة والوعي والمعرفة، يرمز أصحابها والأخطر من ذلك أنهم أصبحوا لنا قدوة بفعل جنوني أو بفضيحة اقترفوها أو حتى عمل غبي يستحسنونه للسخرية منه ونشره على نطاق أوسع.

فكيف لنا –كجيل اليوم و الغد و مربيه- أن نقضي على نفس تفاهة و سخرية و استخفاف كل عام، على الإهانة والعنف والتحرش والاستفزاز والتنمر، على شهرة الحمقى وعلى الرموز التي اصطنعتها مجتماعتنا في عالم التيه والتشتت؟ هل فعلا انتهت المواضيع التي تستحق الاهتمام، ليجد المجتمع نفسه في دوامة من التفاهة؟ كيف أصبحنا لا نميز بين الصواب وغيره؟ هل نست السلطة الرابعة دورا مهما من أدوارها في السمو بالوعي والفكر العام؟

هو الوقت لنضع حدا لكل هذا بتزكية أنفسنا والاهتمام بالمحتويات النافعة، بعيدا عن كل الفضائح والمعلومات التافهة السخيفة التي تساهم في التضليل والاستحمار وتعليب فكر الفرد. دعونا لا نحدد لنا أرقاما تعكس قيمتنا ونجاحنا والأفراد من حولنا بعدد الإعجابات والمتابعين. دعونا لا نجعل من الحمقى مشاهير وأن نحارب كل ما يساعد لتقدمهم.

يجيب اَلان دونو في هذا الصدد على أن جوهر كفاءة الشخص التافه هو قدرته على التعرف على شخصٍ تافهٍ آخر. معاً، يدعمون بعضهم البعض، و من ثمة يرفع كل منهم الآخر.
فلنمتهم إذن بالتجاهل كي لا يتضخم عددهم و لا يطغوا، بعدما لم يعد لهم أخلاق وقيم يحتكمون إليها، فكما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “أميتوا الباطل بالسكوت عنه“. ف“تبا لزمن انحنى احتراما للتافهين، ودهس بعجلاته المفكرين والمبدعين ومنتجي الأفكار العميقة والآراء الرصينة ومؤسسي النقاشات الحقيقية“.

تفاهة عالمنا الرقمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *