معزوفة الصداقة

مهما تباينت الآراء واختلفت حول مفهوم الصداقة، إلا أن الجميع يقر بأنها من أعظم العلاقات وأوثقها، لذا فإن مناداة أي شخص بكلمة صديق(ة) دون أن تتحقق متطلبات الصداقة و مبتغياتها يعد وبلا ريب ظلما في حق هاته الكلمة أو بالأحرى انتهاكا لقداستها. ومن هنا تتبادر إلى أذهاننا عدة أسئلة حول مفهوم الصداقة ومتطلبات تحقيقها والهدف من ورائها، وهل امتلاك أصدقاء في حياتنا أضحى أمرا ضروريا أم أنه مجرد كماليات؟

من البديهي أن يتعرف الإنسان على أناس آخرين وينشأ معهم علاقات، فالإنسان إجتماعي بطبعه وهذا ما يضمن ديمومته واستمراريته. ومن بين هاته العلاقات توجد علاقة الصداقة ، تلك العلاقة العظيمة التي تشبه في تشكيلتها البنيان الراسخ الذي يقوم على كيانات ثابتة تجعله صامدا مثل الجبل مهما هبت رياح الغدر والتفرقة لا يتزحزح. وإذا نظرنا مليا إلى كلمة الصداقة فإننا نلمح العديد من القيم التي التمت وتناسقت وأهدتنا هاته الكلمة التي رغم صغرها إلا أنها تحمل بين ثناياها معان نبيلة تقودنا إلى نفس المصب.

فالصدق والإحترام و حسن النية والمحبة والإخلاص هم نواة هاته العلاقة، فإذا تخللتها ذرة كذب فإن النواة ستنكسر، أما إذا غاب فيها احترام الطرفين لبعضهما البعض فإن النواة ستتبعثر، في حين إذا تسللت إليها ولو حبة خردل من سوء النية فإن النواة ستندثر، أما بالنسبة لقيمة المحبة فهي التي تضمن استمرارية النواة، إذ ينبثق منها مبدئ الثقة الذي هو أساس كل الروابط البشرية والذي تتعلق صلابته بقوة الإيمان، بالإضافة إلى كل هذا يوجد مبدئ الإخلاص، فقد أوصانا ديننا الحنيف بالإخلاص للجميع ولم يقتصر فقط على من نحب، إذ قال حبيبنا ورسولنا محمد صلى الله عليه و سلم: “إن الله لايقبل من العمل إلا ماكان خالصا وابتغي به وجهه”. لذا فإن تحقيق مفهوم الصداقة هو رهين بالحرص على هاته القيم. والأهم من كل هذا هو ذاك المنبع الصافي الذي تشعبت منه كل هاته القيم والخصال ألا وهو تقوى الله؛ أي أن الصداقة لن تدوم و لن تكون فيها بركة من الله إن لم يتحقق هذا الشرط والذي هو بمثابة الدرع الحامي لها الذي يجعلها متينة تتحدى كل الصعاب.

لقد سبق وذكرت أن مناداة أي شخص بكلمة صديق(ة) دون تحقق شروط الصداقة يعد استبدادا في حقها. فالأصدقاء هم تلك النجوم التي تزين سماءنا في ليلة عاتمة حالكة الظلام، وهم تلك الشمس التي تشرق في الصباح معلنة بداية يوم جديد كله أمل، فبالأصدقاء نتعافى فهم البلسم الذي يضمد جراحنا، والمؤنس الذي يبدد وحدتنا، فمهما اشتدت الصعاب نجدهم بجانبنا مثل الطيف واقفين مثل الأسود يزأرون في وجه المتاعب، أما في وقت الفرح والغبطة نجد وجوههم تعلوها السعادة يكادون يحلقون مثل العصافير ويزقزقون معلنين أن الفرحة أقبلت، في حين إذا رأوا زلة منا يهرعون ويشدون بعضدنا وينبهوننا إلى الطريق السوي. أما إذا مر شتاء التفرقة وهبت عاصفة الغدر والخبث فإنها لا تسمن و لا تغني من شيء، بل على العكس نجد ناي المحبة والصدق والإحترام ينتصر ويعزف لحن الصداقة الأبدي.

والأجمل من كل هذا أن الله سبحانه وتعالى يظل يوم القيامة ثمانية تحت عرشه ومنهم شخصان تحابا في الله فوالله لا يوجد شيء أفضل من أن نكون مع من نحب في الدنيا ونجتمع مجددا في الجنة فرحين بنعم الله، لذا فإن الصديق(ة) هو(ي) أيضا نعمة من الله تعالى.

الصداقة لا تقاس بالمسافات أو بكثرة الحديث بل بمقدار الصدق والمحبة والإحترام والإخلاص التي تجمع الطرفين .بالإضافة إلى أن الصداقة هي مثل البصمة الخالدة كلما لمحناها نلمح تلك الذكريات الذهبية التي جمعتنا.
ومن كل هذا، إن عثرتم عل شخص بمثل هاته الصفات وتحققت شروط الصداقة ومبتغياتها فاعلم أنك قد عثرت على الماسة الوردية المثالية ؛ أي أنك عثرت على شخص نادر في هذا العصر.
وخلاصة القول، من وجهة نظري إن لم تجد هذا الشخص فاكتفي فقط بالتعرف على الناس مع إبقاء مسافة بينكم أفضل لك من أن تتيه في غابة مليئة بالذئاب.

معزوفة الصداقة

تعليق واحد

  1. بالفعل الصدق والإحترام و حسن النية والمحبة والإخلاص هي نواة العلاقات الطيبة بين الجميع . وفقك الاله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *