مواقع التواصل والسعادة الجديدة

أمام كل التغيرات الهائلة التي طالت كل شيء في عالم اليوم، أصبح من البديهي أن نقول أن مواقع التواصل الاجتماعي بشتّى أنواعها غيّرت نظرتَنا لكل شيء من حولنا، وبلورت رؤية جديدة لكل مفهوم.

احتفظتْ فيه المسمَّيات بمعناها الظاهري لكن عمقَها وأثرها في نفوسها أصبح مغايراً تماما عما كانت عليه سابقا، لم تعُد السعادة كما كانت مرتبطة بأشياء واقعية محسوسة، بل أصبحت لصيقة بكل ماهو افتراضي، بل وأصبحَتْ بمعناها اللّحظي أو الدائم ترتكز أساساً على دوافع افتراضية لا تمت للواقع بصلة. إذ أصبحت حالتُنا النفسية مرّكبة بشكل رقمي وأصبحنا مزاجيّين بشكل غير مسبوق، وأضحت تعاستُنا أو سعادتنا مرتبطة بعدد “اللايْكات” التي نتلقاها على صورة ما، وعدد التعاليق ونسبة التفاعل.

أصبح الواحد منا يطير فرحاً إنْ تجاوز عدد المعحبين بصورة ما العدد الذي ألفه، بل أصبح ذلك مدعاة للفخر أمام الناس، والتباهي عليهم.

إن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد ،بل إن حالتنا النفسية بمختلف تفاصيلها هي اليوم نتيجة لما يحصل لنا في مواقع التواصل،فنحن نشعر بالكآبة إن قرأنا خبر هجوم إرهابي في مكان ما، أو خبر اغتصاب أو قتل، ونشعر بالفرح والسعادة إن قرأنا بالمقابل خبرا مفرحًا في صفحة ما.

مع مواقع التواصل؛ أصبحنا نحاول خلق سعادة وهمية” تضاهي في الظاهر سعادة الآخرين.
فأصبحنا نشارك أشياءنا الخاصة ولحظاتنا الحميمية؛ وأصبحنا ننشر أكْلَنا، وأماكن سفرنا ولحظاتنا الممتعة. لقد أصبحنا نحاول كما تقول إلزا غودار في كتابها “أنا أوسيلفي إذن أنا موجود خلق “أناً افتراضيا” مثاليًا خالياً من الشوائب، لايصيبه حزن أو شجون، لا يعيش إلا السعادة والفرح.

غلاف كتاب إلزا غودار في ترجمته العربية

وسط كل هذا، يجب أن نقف وقفة تأمل مع أنفسنا، وندرك ما نحن فاعلون، ونبتعد قليلا عن تلك الهواتف البئيسة، ونستمع لصوت أنفُسِنا، ونتوقف عن محاولة كسب أصدقاء كثر افتراضيين، ونحاول حقا التعرف على أنفسنا أكثر؛ وندرك جيدا ما يقلقنا ومايسعدنا، مع مَنْ نحسّ بالفرح، ومع نشعر باليأس بدل إرسال طلبات الصداقة إلى أناس مجهولين لا تجمعنا بهم أي صلة ومحاولة التعرف عليهم ومعرفة تفاصيل حياتهم.

نحن في وقت كهذا في حاجة ماسة للرّضا بما لدينا والتوقف عن مقارنة أنفسنا ببعض المؤثرين الذين لا يُظهرون لنا إلا جانباً مثالياً من حياتهم لا يمكن الوصول إليه على أرض الواقع.

يجب أن ندرك أننا غافلون عن البحث عن معنى حقيقي لحياتنا وتصرفاتنا، ويجب أن ندرك أيضاً أن السر الحقيقي للراحة والسعادة يتجلى في تفاصيل يومنا التافهة، وتلك اللّمة العائلية وجلسة الشاي الممتعة التي تجمع الأهل والأصحاب.

مراد بولنوار

مواقع التواصل والسعادة الجديدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *