أتكلم جميع اللغات، لكن لا أفهم إلا العربية…

تراجيديا اللغات في العالم العربي

ارتفعت أصوات من الشارع المغربي، من صفوف الأكاديميين والسياسيين والمثقفين بل حتى التلاميذ والطلبة الجامعيين، تنادي بتبجيل الانجليزية: لغة العلوم والأبحاث والتكنولوجيا، والمستقبل على حد تعبيرهم. ونرى في ذلك تعبيرا واضحا على الانهزام. فمادام أنهم يرون أن الانجليزية هي لغة المستقبل وينادون بتبنيها في نظامنا التربوي وفي المعاملات والإعلام… فإنهم اعترفوا سلفا أن العالم انتهى وأن الصحف جفت وأنه لا العربية و لا ” الإسبرانتو ” عادا صالحان.

أي ضمانة قدم هؤلاء؟ ليست هناك ضمانة. لنقولها بسرعة. إنه اختيار فقط؛ يقال عنه أنه منطقي و”عقلاني” بناء على المكانة التي تتبوؤها لغة “شيكسبير” في العالم منذ زمن ليس بالقريب. لكنني أعتبر هذا الاختيار بمثابة “انتحار حضاري” كما قال الدكتور محمد سبيلا رحمة الله عليه؛ و “طمسا للهوية العربية الاسلامية“. أليست اللغة هي مهد الفكر؟ و فيها وبها تتشكل المعارف والعلوم؟ بل إنها الوعاء الثقافي الذي لا يمكن لأي مجتمع أو حضارة الاستغناء عنه أو التنكر له وفقا لسبب أو لآخر. ولو تعلق الأمر بالرقي والازدهار المادي أو “الحداثة الغربية” التي يطبل له معظم مفكرينا ومواطنونا العرب المسلمون. وكأن ليس لهم تاريخ و خصوصيات.“عشاقة ملالة”….

ترى كم سنحتاج من الوقت والجهد والمناهج التدريسية، النظريات البيداغوجية والديداكتيكية حتى نتقن الانجليزية؟ أونتعلهما فقط؟ 30 سنة؟ 40 سنة؟ قرن؟ ترى ماذا إذا أصبحت اللغة الروسية، بين عشية وضحاها، لغة عالمية تتفوق في ذخيرتها و علومها عن الانجليزية؟ أسنعود إلى لغة ” دوستويفسكي” و نتخلى عن لغة ” أليس ماي روبرتس” بحكم جمالها؟ أهذا ما تسمونه منطقا؟
سؤال اخر يراودني: أين اللغة العربية؟ أليس من المفروض الالتزام بتعليم اللغة العربية؟ لغة القران؟ لغة العلماء والأطباء المسلمين؟ أليس من المنطقي تطويرها؟ توظيفها في البحث العلمي و الهندسة و الطب؟ حتى يتمكن الروس والأنجليز من ترجمة أبحاثنا ونظرياتنا؛ أو ربما نهيمن على الاقتصاد العالمي، فتتبنى إيران والتشيك العربية في أنظمتها التربوية وترسل ألمانيا والسويد طلبتها ّإلى العراق وبيروت وفاس أو الخرطوم . أمات علماء الصومال جوعا؟ أ قضي على فلاسفة بغداد والشام سلفا؟ أ طبق عليهم حكم الإعدام شنقا لغويا بحجة أن الأنجليز والأمريكان اكتشفوا ما لم يكتشفه السينغاليون الذين اغتصبت لغاتهم فرنسا والاستعمار الأجنبي؟
ثم ألم تتبنوا الفرنسية منذ عقود من الزمن في المغرب والجزائر و تونس و ليبيا و سوريا و السودان؟
ماذا حققتم بالفرنسية حتى تتهافتون على الانجليزية أيها “المتهافتون” كما قال نزار قباني؟ ” لم يعد ثمة أطلال لنبكي عليها… كيف تبكي أمة أخذوا منها المدامع؟”.
ثم نتساءل لم لا “تترجم” كل البحوث والنظريات التي دفعتنا إلى الهرولة نحو الغرب لاستيراد لغاته عوض تبني الانجليزية جملة وتفصيلا؟ أوالقول بصواب هذا القرار؟ لم لا نجرأ على تطوير معاجمنا واختراع حواسيب ذكية وطائرات حربية وقطارات فائقة السرعة تعمل بترقيم عربي؟ أ حكمتم بالموت على أنفسكم وأنتم أحياء؟

أتكلم جميع اللغات، لكن لا أفهم إلا العربية…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.