هل القانون أعمى؟

جميعا نعلم تلك العبارة الرنانة “القانون فوق الجميع” وأنه أعمى لا يفرق بين الناس أحدا! ولكن هل بالفعل القانون يسمو على الجميع؟

قبل الجواب عن السؤال، يبدو لي من الضروري أن أضع فكرة معينة عن مفهوم القانون، فهذا المفهوم يرجع إلى كلمة قنَّنَ، يقنن، تقنينا، فهو مقنِّن، وقنن الشيء، أي ضبطه وأحكمه في مداخله ومخارجه حتى لا ينفلت، ومنه قنن المشرع، أي وضع قوانين ودونها، لضبط ظاهرة معينة وإحكامها حتى لا تنفلت من يده وتقع الفوضى، وعلى أساسه نقول وضع قانون للسرقة، للقتل، أي ضبطه وأحكمه، لكي يحد منه حتى لا يكون فعلا مباحا، لأنه سيثير الفوضى والقلقة للناس، ويصير الجميع مهددا، لكن هذا لا يعني القضاء عليه مطلقا. وهذا ما يجعلنا نستخرج مفارقة من مفهوم القانون، وهي أنه من الضروري أن يكون القانون، لكنه غير كافي لحل الأزمات والمشاكل.

وفي هذا السياق سيتم الحديث عن ضرورة القانون بالرغم من عدم كفايته التامة. وسننطلق من فكرة أفلاطونية التي تقول بأن “تحقيق العدل يتم عبر الشخص الفاضل”، الذي يكون متجاوزا الشهوات والنزوات وعاقل، يستطيع وضع قوانين عادلة التي تمكن الإنسان العيش في هناء.

لكن هذا الموقف يرفضه تلميذه ارسطو، الذي يرى أن وضع قانون خير من ألف إنسان فاضل، لأنه لا نستطيع أن نعرف هل سيبقى هذا الإنسان فاضلا إلى النهاية أم يمكنه أن ينحرف عن فضيلته؟ ولهذا فوجود القانون أفضل وأبقى من عدمه. ليحاجج شيشرون أرسطو ويقول له إنه “لا توجد عدالة ما لم توجد طبيعة صانعة للعدالة” أي لا يمكن أن المؤسسات والقوانين لا يمكن أن تكون أساسا للحق، ما دام هناك قوانين يصنعها الطغاة لخدمة مصالحهم وانتهاك حقوق بقية الناس، بمعنى آخر أن هذا القانون هو صناعة بشرية ستحمل في طياتها نزوات ورغبات، تجعلها تخدم فئة دون الأخرى.

وفي هذه التفصيلة يظهر كل من سبينوزا وكارل ماركس. فباروخ سبينوزا يرى بأن القانون تصنعه أقلية لتنتهكه، وتفرض على الأغلبية أن تخضع له، وهنا، يبدو أن القانون ليس أعمى، بل فاتحا إحدى عينيه دون الأخرى. ولكن من هي هذه الفئة القليلة؟ إنها حسب كارل ماركس الطبقة المهيمنة اقتصاديا واجتماعيا، المالكة للخيرات والثروات وكل الإمكانات المادية والمقدورات التي سيطرت عليها، ولكي تحافظ على هذه الثروات أو ما يسميها ماركس بوسائل الإنتاج، التي تمتلكها وتنتج من خلالها ثروة مضاعفة، تصنع قوانين على مقاسها، ووفق موازين قوتها التي تجعلها دائما مسيطرة.
لكن يبقى السؤال الأرسطي مطروحا، بالرغم من اعتوار القانون، حول بقاء/غياب القانون! هل يتطلب الثورة على القانون القديم بقانون جديد، أكثر عماءً؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل هذا البديل المقدم، أحسن من سابقه، لأنه الطبيعة تخشى الفراغ، والفراغ هنا هو الفوضى.

هل القانون أعمى؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.