مناوئ الكهول

اكفهر وجه السماء،واطفقت بواسق السحاب تحتشد ،شيئا فشيئا !معلنة عن انسحاب أولى خيوط شمس الأصيل، لتفسح الطريق أمام قطرات الغبش، وتأوهات الزمهرير التي تردي شبح الصمت قتيلا ! وهو يتسلل من بين فتحات إحدى الشبابيك الصدأة، حتى يخلعها من مكانها مخلفا ارتطاما مدويا! لم يحرك له ساكنا البتة!
تحت أنظار عجوز  يظهر على أنها بلغت من العمر عتيا!
بسحنة شاحبة، وعروق بارزة ،وعينين غائرتين في محجريهما  تحيط بهما هالات سوداء قاتمة،  تكاد تخفيها نظارات طبية رديئة الصنع وهما مصوبتين نحو الباب الموصد!
مجرد شذرة من حلم بأن يطرقه أحد ولو حتى قطة، فالوحشة تنهش فؤادها الذي استحال أشلاء متناثرة كشظايا مرآة!
لا يخفف وحدتها سوى كرسيها  الخشبي الهزاز  الذي نخرته الجرذان ،ومذياع عتيق يبث بضع أغاني الطرب التي تعود بها إلى الزمن الجميل فتضفي على المكان سحرا من نوع آخر !
تعتكف طوال اليوم وهي تحدق بالباب! صديقتها الوحيدة  هي  وسادة نومها التي تعبق بعطر الدموع،  لكنها الوحيدة التي تكتم أسرارها وهمومها و دائما آذان صاغية لنحيبها !
عندما تتأمل  جسدها الضئيل  يخيل إليك هيكل عظمي  -يصدر بين الفينة والأخرى صريرا مدويا جراء اصطكاكه- مدثر بأطمار بالية !
إذ ما تأملت عينيها الخضراوتين بمسحة الشجن التي تكتم أنفاس سحريهما، اللتان حجبتهما التجاعيد ينتابك شعور كأنهما تريدان الفصح عن قصة سيدة أرملة،  قطعت  على نفسها عهدا، بالكدح والتضحية إلى آخر رمق لتدريس أبناءها ليبلغوا أعلى الدرجات والمناصب المرموقة! لكن كل شىء حال دون ذلك، فالجرح لم يندمل بعد ! ظنت أنه اختفى ولكنه ما انفك أن يلاحقها، تلك الثمرة الفاسدة لم ترد أن تحرمها من تذوق طعم الحياة، نعم ثمرة محرمة ! نعم ، كانت نتيجة لحب محرم! او بالاحرى مكر وخداع وحش آدمي وجد سذاجة فتاة مادة دسمة ولينة، فيكفي ان يمطارها ببضع كلمات عشق وهيام لكي ترتمي الى أحضانه التي وجدتها كمأمن لمن يربت على ظهرها، لكن الأنياب ظهرت وجردتها من أعز ما لديها!
وأشيع خبرها ومافتئ الناس أن وجدوه علكة في مجالسهم وتنتقل الفضيحة بين مجالس النميمة كالنار في الهشيم.
وقبل أن يبرز شكل هاته الثمرة المسمومة، وجدت ضالتها في زوج حكيم، طيب، وتقي ومنفصل عن أصفاد التقاليد والأعراف التي ما ان ذكر اسم امرأة، اطفقوا يستعذون بالله, فكبرت هاته الثمرة ولم تفصح لها عن بذورها، لكن السر تسرب وأفشى السر، بعد أن أضحى الأخير في ريعان شبابه، ومن شدة الصدمة استأصل جذوره عن أمه، وأدبر مختفيا بين ثنايا الزمن.
  لكن بالرغم من قسوة الدهر فمازال بعض رذاذ الماضي يروي ظمآ شجرة ذاكرتها التي نفضت جل أوراقها منذ زمن سحيق! وأضحت يابسة تنعدم فيها الحياة!
إنها كزهرة عباد شمس مجنونة حجبتها السحب اللعينة عن معشوقتها الشمس! فشرعت في الذبول!
  لا زوج تصارع معه أمواج ماتبقى من عمرها ! ولا أولاد يرقون لحالها، ذنبها أنها كانت بين المطرقة والسندان!
بسحنتها الممتقعة،وبعض خصلات من شعرها الأشعث  الوفية، التي تتحرش بها بحياء أقرب إلى الكسل خيوط العناكب المنسدلة من أعلى السقف!
تغوص في بحر شرودها وسط الردهة، حتى تتناهى إلى مسامعها بين الحين والآخر، قرقعة فنجان الشاي يصعب  عليها استسغائه، مصحوبا بكسرة خبز حافي لا تستطيع أن تنهشه، فتجود به على الجرذان التي تعلن عليه معركة ضروس  للظفر به !
كم تحن لصوت يكسر هذا الصمت الموحش! فيفترى ثغرها غبطة! كاشفا عن سنها اليتيمة، التي انتصرت على الشيخوخة !
يزعزع هذا كيانها ويشرع جسدها النحيل في الارتجاف! كأنما دبت الحياة من مراقدها وبثت الروح بها من جديد، بعدما كانت جسدا بدون روح ! كأنها تنتظر أحدا لا تعرفه !
لكن ماهي إلى دقائق حتى يعود طيف الصمت القاتل يحكم بقبضته على المكان  !
ولكن هاته الطرقات دائما ماتوقد فتيل الأمل بها، على الأقل أحدا تذكرها ولو بالخطأ! رغم اعتصار قلبها ،والغصة التي أزعجتها بحلقها !
وشعور الوحشة اللعين! وبينما هي مستسلمة لشعورها هذا!  فماهي إلى هنيهات حتى انغمس بين ذراعي الكرى بهدوء..!
لكن هاته المرة إلى الأبد! إن أجفانها تعبت من اليقظة والانتظار ،لقد جاء الفرج بعد طول انتظار !نامت إلى جنب معشوقتها الموت! وأخيرا تحررت روحها من أغلال وأصفاد ذلك الجسد الوهن،وتلك الأطمار الزنخة رائحتها !وهاهي روحها تسبح في الفضاء!
مالت الشمس للغروب،واستطالت أخيلة الجبال،وشرعت الطبيعة في نزع أثواب النور والالتحاف برداء الدجى القاتم الذي يكسره وميض  مجهول المصدر! التي ينعكس على جتثها الهامدة الممدة على الكرسي !……
  ⬅بعد 4 ساعات:
  وفي عز هذا الهدوء الذي يصم الآذان، وعلى مقربة من تجمع الساكنة يسير  الهويناء تجمع موحد البذلة ليس بغفير، يقلان على مناكبهم تابوتا خشبيا،لا يذرف أحدهم دموعا ولكن تعلوا محياهم الخشية والحذر! يتسللون كالرئبال المتأهب عند ملاحقته لفريسته ! بعد لحظات معدودة،وقاب قوسين أو أدنى من الجبانة المكتظة بالأجداث، جعلوا للتابوت حفرة تعادل بضعة أمتار ثم شرعوا في مواراته رويدا رويدا ! و جلسوا القرفصاء متمتمين بكلمات مبهمة ! ثم انصرفوا كأن شيئا لم يحدث ! ثم صعدوا بحافلة صغيرة الحجم مكتوب بها بخط عريض:دار العجزة للمصابين بالخرف الكهلي والمتخلى عنهم!

مناوئ الكهول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.