عن “المجاملة”

عن دور المجاملة في بناء العلاقات

تلعب المجاملة دورا كبيرا في حياة كل فرد، حيث تعتبر سلوكا يقوم به الفرد بالتعبير عن رأيه وكذا كأسلوب للتودد به إلى الطرف الآخر، أحيانا تكون هذه الأخيرة زائدة ومفرطة عن حدها لدرجةٍ يقع فيها الشخص المجامل في مستنقع النفاق، فما الفرق بين النفاق والمجاملة؟ أيمكننا أن نعتبر المجاملة فائدة تعود بالخير على الجميع؟ 

عندما تقوم بإبداء رأيك للشخص المراد كسبه أو إيصال الفكرة له برقة فإنك تخبره بالحقيقة وبكلام تزن فيه نفسك، أما النفاق فأنت تعكس ما سبق؛ تحول صفاته السيئة إلى صفات حسنة، حتى وإن كان ذلك يخص لباسه، وتقوم باختراع كلمات تستغرب من الموقف بحد ذاته والتكلم عنه في غيابه، عكس المجاملة التي تكون في نفس المكان والزمان بهدف تمتين وتوطيد العلاقة مع الطرف الآخر، يمكننا أن نصيغها على أنها فن في إطار اللباقة والإيتيكيت خصوصا الشخص الإجتماعي المحب والصبور ثم الصريح، حيث يمكننا أن نعتبرها فائدة تعود للكل كتوضيح للصورة، فيمكننا أن نطرح كسؤال أساسي: أنستطيع العيش بدون مجاملة؟ 

للأسف الشديد بعض الأشخاص يجاملون لدرجة يصلون فيها لمرحلة النفاق مع بعضهم البعض بالرغم من أنهم على علم بالأمر ومع ذلك يشعرون بالسعادة، وإذا تمت المواجهة كرهوك وأحبوا من كان معهم في مرحلة النفاق، ومعلوم أن الإنسان مدني بطبعه لا يمكنه أن يعيش منعزلا ووحيدا، تظهر حقيقته فقط في الليل كظله فلابد أن يكَوِّن علاقات وصداقات، وقد بيّن الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات – 13]؛ كما أخبرَ تعالى عن المنافقين كتبسيط عن ما سبق، حيث قال: { وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ ۚ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ } [محمد – 30].

يمكن أن نعتبر أن المجاملة التي تكون بغية الوصول إلى هدف جيد وصادق، فهي جائزة لا غبار عنها، لا إنذار لها، ومن معانيها التعامل برفق ومع من يستحقه، حيث أن الإسلام بدوره أوصى بالرفق حيث قال تعالى: {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران – 159]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزَع من شيء إلا شانه” [رواه مسلم]. 

تقرؤون أيضاً على مدونة زوايا

بلسان طفلٍ معنّف

التَّـنمر ..!

لأنكَ الحبّ ..

يمكن للمجاملة أن تكسبك صديقا رفيقا ونصيرا، تخفف ثقلك وعداوة ثم يمكن أن تعقد مصلحة، فالمجامِلُ يظل صديقا مخلصا لمن جامله، بين الأزواج أيضا كأسلوب محب حفاظا على سيرورة العلاقة بينهما وذلك عن طريق التعبير بالكلام الطيب والجميل، حتى أن القرآن الكريم أرشد إليها من بينهم توتر في علاقتهم وقت اشتداد الخلاف لقوله تعالى: {وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة – 237]، فكم رأينا من خلاف كاد أن ينهي علاقات وطيدة لولا لطف الله والسبب كان المجاملة بتدخل أحد الطرفين بأسلوب اللطافة واللباقة لتعود المياه لمجاريها. 

طريف للذكر هنا أنه في قانون الولايات المتحدة الأمريكية، يشير مصطلح المجاملة (Comity) إلى بند الامتيازات والحصانات (الذي يسمى أحيانا بعد المجاملات) في المادة الرابعة من دستور الولايات المتحدة الأمريكية وتعتبر أيضا مسائل لتسليم المجرمين بين الولايات القضائية القانونية. 

ومن جهة أخرى، وجب للمجاملة أن تكون بين الوسطية والاعتدال؛ يقول ‘براون وليفينسون’ أن المجاملة هي “الصورة الذاتية للشخص أو الشخصية وتتضمن رغبة الشخص الكامنة من الآخرين في تقدير صورته الذاتية وتوكيدها”. ولذا فإن المجاملة صارت تتركز كل مجتمع شرقي أو غربي، كثقافة على حد سواء، كنوع من الرقة والهناء، ولتكن بإفراط وتفريط كي لا يكون هنالك خيط متشابك مع النفاق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *