الوحدة ليست رُعباً

تدوينة فـي مَـدْح العزلة

أصبحتُ أعشق وحدتي بقوُّة، ما عادَ يغريني أن يكون معِي أحد ما، كُنت ولازلتُ كعادتي أعشق وحدتي عشقًا خالصًا، بل زِدتُ الآن عشقًا لها؛ عشقًا أجد فيه مُتعة وطمأنينة، هذا العِشق الذي ينأى بي بعيدًا عن تُرّهات البشر، البشر؟ أجل البَشر، بحماقاتِهم التي لا نهايَة لها، إني وبكل صدق لا أرى في الآخرين إلا مفهوم “قساوة الحياة”، لا أعرف لمَ حقًا؟ رُبما لأني لم أعهد تواجد الكثير من الأشخاص في حياتي الشخصية، أو رُبما لأن تواجدهم في مرحلة مِن حياتي كان قاسيًا، لا أدري حقًا، لكنِّي أدري جيدًا أنَّ كل الأشياء التي سبق وعشناها، تأتي كتراكمات في عُمرٍ ما، لتوقظ فتيلة إحساس قديم في دواخلنا، الشيء الذي يدفعنا للتكوُّر على أنفسنا في عزلة آمنة، عسانا بذلك قد نجد سبيلاً للسلام والخلاص من حزن تجربة مُرَّة قد عشناها. 

أن تعشق الوحدة لا يعني أنّك عاشقٌ للحزن حسب الفهم المحدود للكثير من الأشخاص، الفتاة التي سمعتها ذلك اليوم تحكي لخليلاتها كيف أنها لا تستطيع المكوث في المنزل لوحدها بدون ونيسٍ يؤنس وحشتها، ذلك أنّها تخشى الوحدة، ولا تُطيق أبدًا أن تكون يومًا ما وحيدة بمفردها؛ أراها كيف كانت تحكي بحرقة، وملامح مكفَهٍرّة، وإشارات من يدها توحي برهبتها الشديدة من الوحدة، كل هذه الأشياء جعلتني وأنا التي أجالس نفسي بالمقعد المُرافق لهم، أتعجب كيف لهذا التناقض الذي جعلني أحبُّ وحدتي وأجد فيها السعادة، وجعلها تكره الوحدة وتجد فيها الرعبَ، أن يحدث الفَارق، أنا التي أحاول أن أتصور رُعبها من أن تكون وحيدة، وأقارنُه بسعادتي في أن أكون وحيدة جعلني أقول لها في قرارة نفسي أنه سيأتي يومٌ غير معروفٍ في هذه الحياة ستفضلين فيه الوحدة رُفقة أشيائك الجميلة عوضَ الاختلاط البَشع المقرُون بالبشريين المملينَ، سيأتي يوم تصبحين فيه أنتِ جيشَكِ العظيم، لا يرعبك شيئا في هذا العالم وربُّك معكِ؛ تستطعين أن تنهي كل العلاقات الوهميّة التي قد ظننت يوما أنها سبيلا تهربين منه من الوحدة وتظفرين بالأنس، سيأتي يومٌ تشكرين فيه الوحدة لاحتوائِها لكِ عوض اللجوء لأشخاصٍ وفي حُسبانك أنهم الأمان. ياصديقتي صدّقيني، لا أمان حاليًا إلا مع نفسكِ، مهما اعتقدت أن كل أولئك الذين بالقرب منك يحبونك، ويهمهم أن يروْكِ في أحسن حال، كلها أحاديث لا محلّ لها في القلب، وإن كانت ستكون بنسبة 20%، صدّقيني يا صديقة، قد ولَّى منذ زمن بعيد زَمن التضحيات، نحن في زمن قيمتُك تظهر حينما تكون في النُّور، وتتفشّى حينما تندمس في الظلام، زمن سوداوي صادم جدًا !

قد أقول بعد كلّ هذا: أحبك وحدتي، لأنك سبب عظيم في سعادتي، قد علّمتني دروسًا قيمة في الحياة، دروسا تتجلى في أنه يجب علينَا دائما أن لا نرفع سقف توقعاتنا تُجاه البشر، أن نتوقع كل شيء من الآخرين، أن نجعل لنا دائما مع الآخرين مساحات أمان لا يتجاوزها أي كائن، أن نحتفظ بأحزاننا وألامنا لأنفسنا فقط، وأن نشتغل عليها لنجعلها إنجازات وأفراحا بمنأى عن مساعدة أي مخلوق كان؛ علّمتِني أيتها الوحدة العظيمة كيف أصقل نفسي بالقراءة والإبداع في الكتابة، كيف أسعى دوما لطلب العلم وأن لا أتوقف وأفسح مجالا للفراغ ليملأني، علّمتني أن أكون أنا فقط، بسيطة، عفوية، قوية، قادرة، وأن لا أجعل من شخص ما دولابا تدور عليه مُجريات حياتي.

شيماء لطيفي

للتدوين معنا على زوايا .. راسلونا على
https://zawayablog.com/%d8%a3%d9%83%d8%aa%d8%a8-%d9%85%d8%b9%d9%86%d8%a7/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *