وقل لهما قولا كريما

رضا الله في رضا الوالدين

لقد أطَّر دين الإسلام مسار العلاقة بين الآباء والأبناء تأطيرا عادلا ومنطقيا محتكما على مبادئ أساسية من حفظ الحقوق والالتزام بالواجبات،ومبنيا على قيم أخلاقية كالتضحية والإيثار وحسن المعاملة والاحتواء والرعاية والاحترام. وهذا ما جعل منها أقوى الروابط الإنسانية والاجتماعية وجعلها تتبوأ مكانة عالية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية،لكن شرط أن يحترم كل طرف حدود ممارسته لدوره في حدود ما جاء به الشرع.

فما دام والداك قد كانا سببا وجيها في قدومك إلى الدنيا وبقاءك حيَّا وتحظى بحياة كريمة وقد وفرا لك كل ما تحتاجه من مأكل ومشرب وتعليم وتطبيب ورعاية التزاما منهما بما يُمليه الحق،لقوله تعالى “وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ“(الآية 233 من سورة البقرة)، فإن ذلك يٌلزمك كإبن مسؤول ومدين لهم بأن تقدم لهم الرعاية والاحترام والنفقة والعلاج عند الحاجة وعند الكبر. وهم يستحقون هذه المنزلة والمقام الذي منحهم إياه الدين ، لقوله تعالى : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (الآية23 من سورة الاسراء).

كلنا نعترف أنه مهما حاول الآباء توفير جل سبل الرعاية التامة لأبناءهم الا انهم قد يقصروا في جانب من الجوانب بقصد او بدونه ،كما أن الأبناء مهما حاولوا رد الجميل والعرفان فإنهم لن يوفوهم حقهم ابدا.

علاقة الآباء والابناء مبنية على الاخذ والعطاء ،وهي أشبه باستثمار مادي ومعنوي مربح لكلا الطرفين – ولا عيب في أن نسميه استثمارا – ما داموا على وعي تام بما تلزمهم الحقوق من واجبات وما تستدعيه الواجبات من حقوق.ولكن رغم معرفتنا بما يمليه الدين والضمير والعرف إلا اننا نشهد صراعات تؤرق معظم البيوت العربية ؛فمن منظور الكبار ان لهم الحق الكامل في التحكم في مصير أبناءهم واختياراتهم ما داموا هم من جاءوا بهم الى الحياة ،في حين ان الأبناء يرون ان ابتغاء رضا الوالدين لا يعني الإذعان والطاعة المطلقة!.

ومن خلال هذا الصراع الأزلي ،كل ما استطيع قوله يتلخص فيما يلي :

إن اكبر خطا يمكن ان يرتكبه الآباء في حق أبنائهم هو قتل إبداعهم ومصادرة حقهم في اختيار مصيرهم.و قد نجد ان أغلب عمالقة الاختراعات والابداعات والاكتشافات واجهوا في بداية حياتهم صدا من أقرب الناس إليهم ولو بحسن نية وطيب قصد ،لكنهم مشوا في طريق غير ذاك الذي رسموه لهم اباءهم ؛ والتاريخ مليء بكتاب عظماء كان حلم اباءهم ان يكونوا مهندسين أو أطباء أو قضاة …..الخ . ولولا مشيئة الله وإصرارهم على اختياراتهم ،لحُرمت مجتمعاتنا من ابتكارات كثيرة وانجازات عديدة وابداعات قيمة.

نعم قد يخطئ الآباء والمربون ،وقد أخطأ الكثيرون ومازال يخطئ آخرون عندما يعارضون نداء قلوب أبنائهم ويريدون أن يجعلوا منهم أداة لتحقيق أحلامهم التي حالت الظروف بينهم وبين تحقيقها . فالله خلق كل نفس وآتاها من الملكات والقدرات ما لا يعلم مداه ومنتهاه إلا خالق هذه الانفس ،فكيف يُفترض أن يكون الآباء أعلم من أبنائهم بملكاتهم وقدراتهم؟ لا أحد يستطيع ان يحلم بدلا عنك باحلامك، فهل ينبض قلبك في دم غيرك ؟

أيها الآباء والمربون الافاضل ،لا تحاربوا ميولات أبنائكم ظنا منكم أنكم تحسنوا صنعا بهم ،ولا تجعلوا من أبنائكم وسيلة لتحقيق أحلامكم التي فشلتم في تحقيقها ،فكل خلق لما هو مُيسر له، لكل منا رسالته وملكته الخاصة لقوله تعالى:وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ(الآية148من سورة البقرة).

أما انتم أيها الأبناء الكرام ومربوا الأجيال القادمة،استعينوا بالاقناع وحسن المخاطبة والحوار بالتي هي أحسن للمطالبة بحقكم الشرعي في الاختيار،نعم فبالكلمة الطيبة وبالأسلوب اللبق تستطيع شق أصعب الطرق.لان كل ما ينتظره منك والداك هو القول الكريم والتقديرالحسن لمجهوداتهم وتضحياتهم وأن لا تشعرهم أن كل انجازاتهم وتضحياتهم من اجلك قد ضربت بها عرض الحائط .

حاول مرة وثانية وعاشرة،من اجل اقناعهم باختيارك ،واذا لم تفلح في ذلك فلا تترك الامر يأثر على علاقتك بهم والتزم بأصول الدين وحافظ على قولك الكريم لهم .فلا يوجد ماهو أبلغ منه سبيلا من اجل نيل رضاهم عنك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.