fbpx

على مشارف الموت “الجزء الثاني”

وحش اسمه الاكتئاب

Advertisement

لقراءة الجزء السابق: الجزء الاول

لسوء حظي ليس الإكتئاب هو المرض الذي يزورك ويهجرك على حين غرة، فقد هجرني في يومي الأول فقط وعاد ليطرق بابي بنوبات بكاء حادة ليلا، وهلوسات وأفكار انتحارية محكمة السيناريو في مخيلتي لا تشوبه شائبة، تارة عن طريق الشنق وتارة أخرى ببلع حفنة أدوية، وتارة أخرى بقطع الشرايين والنزيف حتى الموت، كنت أحتاج عزيمة وجرأة محارب لتنفيذ خطتي، لأنني لطالما اقتنعت أن الإنتحار شجاعة وليس جبن، ولأنه ليس من السهل أن تشرف على إنهاء حياتك رغم ذلك الألم الذي تقاسيه حينها أثناء خوض هذه العملية.

Advertisement

بعد كل هذا وجدت هذه السيناريوهات تشغل مجمل تفكيري، كل يوم أتعمق في تفاصيلها أكثر من ذي قبل لا أستطيع إنكار أنني عزمت على التنفيذ مرات ومرات، كذلك حدث ذلك اليوم كنت أسير على نفس الخطى التي رسمتها بمخيلتي، إلى أن قاطعني بصيص الرغبة في الحياة ذاك مانعا عزيمتي على التنفيذ، لا أدري كيف سبقتني يداي للبحث عمن ينجدني في تلك اللحظة، لم أتصل بذلك الشخص المعهود الذي أختبأ بين ذراعيه كلما يئست فقد كان قد شعر بالملل سابقا من تصرفاتي ومزاجي وعصبيتي الحادة وقرر أن يكف عن التحدث معي حينها، فما كان علي إلا أن أبحث عن غيره لمناجاتي وليمد يد العون لي، فصادفت رقما أخضرا لمحاربة الإنتحار خاصا بالولايات المتحدة الأمريكية يرافقه تعليمات خاصة إذا كان المتصل من خارج أمريكا لتحويل رقمه على شاكلتهم حتى يتمكن من الإتصال؛ في حالة ما كنت تتساءل عزيزي القارئ لما لم أتصل بالرقم الخاص بدولتي فدعني أخبرك أنهم كانوا يقضون عطلتهم الصيفية.

بعد مشقة ومحاولات متكررة لربط الإتصال ونفاذ صبر تمكنت من مهاتفة أحد الفتيان المستقبلين للمكالمات.. لقد انهرت بكاء وسط كلماته التي تحاول تهدئتي حتى يتمكن من فهم الموقف، بعد أن شعرت أن بإمكاني تركيب جمل في عقلي بدأت أشرح له بتفاصيل غير مرتبة كرنولوجيا فقد كنت أتحدث عن الماضي والحاضر في آن واحد، وكان ينصت لي بكل تمعن دون أن يقاطعني أو يستفسر عن أي أمر كان يعلم ذلك الفتى أنني بحاجة لآذان صاغية وذلك ما منحني دون أدنى تردد، بعد أن بدأت أتحسن شيئا فشيئا أخبرني أنه سيوافيني باختبار طويل نوعا ما لكن يتوجبب علي أن أجيب على كل الأسئلة بالمطروحة حتى يتمكن ذوي الخبرة من تحديد درجة اكتئابي ومعرفة حالتي اذا ما كانت تتطلب اشرافا طبيا في نفس المدينة، وذلك ما حدث قضيت وقتا طويلا جدا في ملء الإستمارة التي تحتوي على أسئلة من شتى الأنواع عن الرغبات الانتحارية عن البكاء عن المزاج حتى عن فترات الضحك..

لم تستغرق الإجابة عن الاستمارة وقتا طويلا فقد توصلت بالرد عليها بعد يوم واحد ليخبرني أنه مرحب باتصالاتي في أي وقت وكلمات جميلة لم أعرها أدنى اهتمام لأن الخبر الصاعق قد أتى بعد كل هذا، فقد أخبروني أنني أعاني من اكتئاب حاد متقدم جدا يستدعي تدخل طبي أكون في حضرته لمعاينة حالتي..

في بادئ الأمر لم أستطع تقبل الفكرة ولم تكن لي رغبة بالتحدث وجها لوجه مع اي كان، لكن حاولت إقناع نفسي عن طريق تكرار قراءة الرسالة تلك، مما منحني الجرأة قليلا لأقصد الطبيب النفسي، لكن العلاج النفسي لا يتعلق بالكلام فقط، فقد كنت مجبورة على القيام بفحوصات مخبرية إضافة إلى فحوصات الدم حتى يتأكد الطبيب من مكامن الخلل إذا ما كانت جسدية أو نفسية فقط.

Advertisement

لا أنكر أنني في أول حصة علاجية قد انطويت على نفسي وتفاصيلي، كانت كلماتي قليلة جدا رغم أن وجه ذلك الطبيب كان ينم عن الوقار والإنشراح لكن وجدت صعوبة في إخراج الكلمات من فمي، لكن بعد كل حصة علاجية كنت أتلقاها كانت تزيد راحتي في حضرته مما مكنني أخيرا من الإفصاح عن مكنوناتي…

كنت قد قضيت مدة لا بأس بها في العلاج فشعرت أن بإمكاني تدبر أحوالي بعيدا عن طبيبي لذلك قررت أن أسافر برفقة أصدقائي، فكانت وجهتي مدينة كنت أتوق لزيارتها منذ مدة طويلة لعلها تغير من مزاجي للأحسن، لذلك قد ركزت في اختياري على أهم رفاق لي من يحلو معهم طعم الأيام، أعترف أنني كنت متقلبة المزاج كثيرا حينها تارة أسترسل في الضحك بشكل هستيري وتارة أخرى أجدني غاضبة من تصرف بسيط قام به أحدهم بغية المزح، وتارة أخرى أغضب لدرجة البكاء على مواقف لا تستدعي حتى الملاحظة، لكن لحسن حظي فقد كان أحد أصدقائي يعلم بأمري لذلك كان يقوم بتهدئة الأوضاع دائما.

بعد كل هذه الأحداث الطويلة والمربكة وكل الأفكار الانتحارية ونوبات البكاء الحاد والمزاج المتقلب، ها أناذ ي أكتب لكم بعد رحلة علاج طويلة تعافيت منها تماما وأخذت أتقدم شيئا فشيئا في بناء مستقبلي، لا أنكر أنني لازلت أجد صعوبة في زيارة تلك الأماكن التي التويت فيها ألما لكن كل الجروح أعزائي تتعافى بمرور الزمن…

على مشارف الموت “الجزء الثاني”

تنبيه

أنت تستخدم مانع الاعلان المرجو دعمنا عن طريق تعطيله