الأمن الدّيني

بدل التّكريس تكسيرٌ

غير ذي خفية أن الوعْي العام لمفهوم الأمن، غيرُ منصرف حين ينصرف، إلا لذاك البعد المادّي الملموس للمصطلح دون غيره، والذي يقتضي الحماية الحسّية للفرد وما يتعلّق به، فإذا ما أطلِق الأمن القانوني أو القضائي، كان ذلك متعلقا بقدرة تحقيق القاعدة القانونية لِغايتِها المرجوة في حسن تأطير سلوك الفرد بما يضمن الحد من عدم الوثوق في تطبيق القانون من جهة، ومدى تنزيلها التنزيل الصحيح من طرف القضاء من جهة أخرى بما يعكس الثقة في المؤسسة القضائية، والاطمئنان لما ينتج عنها، وإن عُرّج على الأمن الغذائي أو الصحّي، تعلق ذلك بكل ما له علاقة بالتحسين المعيشي للفرد والتحصين الطبّي لحياته، وإذا تُحدِّث عن الأمن السياسي كان للأمر صلة بعقلنة الشأن السياسي للدولة بشكل يضمن حسن تسيير دواليبها، وليُقس ما لم يُقل، كما في الأنواع الأخرى كالأمن الاقتصادي والتعليمي والعقاري وغير ذلك، من انصباب بالأساس على تحقيق الطمأنينة والأمان الماديين.

غير أنه عندما يوصف مصطلح الأمن بالدّين، ذلك المجال المسكوت عنه غُفولا أو تغافلا، فإن المفهوم يتباين، ليقترن بذلك بمعنى رُوحي مفاده حفظ معتقد الفرد من الاضطراب المائل به عن المنهج السّويّ، وإذا ما تفحصت وتصفحت، ستجد النزر اليسير ممن فطن إلى هذا الفحوى فتعرّض له، لكن تعرّضه هذا اقتصر فقط على مستوى تدخل الدولة لحماية الفرد في معتقده من الفكر التطرّفي المتزمّت، تحصينا للمجتمع من الأفكار المتشددة والتي تؤدي لممارسات تُجانب الوسطية في الدين.

أما فيما يخص تكريس هاته الحماية في مواجهة الدعاة -زوراً- للتنوير والحداثة، فلا قلم يكتُب ولا صوت يشجُب، في تسفيهٍ وازدراءٍ لدين الدولة الرسمي بشكل تنهدّ به عُرى التّديّن البسيط للأفراد في الواقع وعلى المواقع، هاته الأخيرة التي أضحت الآن في حكم المكان العمومي المفتوح لجمهور الناس، ولا عزو لهذا حتماً إلا لانشغال الدولة وانكبابها على أنواع الأمن الأخرى، وحشدها لذلك المؤتمرات والندوات، في وقت أضحى دينها في مرمى نار العلمنة تعبث فيه إفسادا دونما حسيب أو رقيب.

قد يتحُجّج بكون أن صفة الضّبط لدى الدولة إنما هي متعلقة حصراً بما هو مادّي يصون الحقوق والممتلكات بدون تصوّر المقدرة على مجاوزة ذلك بصَون الأفكار والقناعات الجدير في الأساس بأن تحارَب ببنات جنسها؛ الأفكارِ والقناعات، يجاب على ذلك بأن الدولة بصفتها هاته، وإن كان يتعذر عليها تحقيق الأمن الديني القائم في جوهره على بعدٍ روحيّ، فهذا لا يعني عجزها التامّ، بل لها أكثر من حلّ من أجل ضمان هذا الاطمئنان العقَدي لأفرادها، عن طريق إتاحة المساحة الكافية لمؤسساتها العلمية بمجابهة الأفكار بأضرابها، بدءا بتقويم معوجّ المناهج التعليمية التي أقصت الهُويّة الدينية بشكل كامل، اللهُم ما أقحم إقحاماً من بعض النُّتف في مناهج الإسلاميات نفسها والتي لا ترقى لحدّ تقويم العقيدة الصحيحة، بما يوهم فرض تصور شكلي بحضور الطابع الديني في مناهج التعليم، مروراً برفع الأسْوِجة المضيّقة على العلماء والتي تلعب دور الوصاية على منطقهم، وتكبكبهم عند مخالفتها مِن على المنابر، الخشبية منها والإعلامية.

كلّ ذلك بما يرفع من الوعي العقائدي للجيل الصاعد الذي أضحى ينفلت من عِقال الوسطيّة نحو الميوعة في التديّن، آخِذاً بالمفهوم المنكوس للوسطيّة نفسِها، والذي رسّخته العلمنة، فركن الإيمان باليوم الآخر قد انمحى جراء الانسياق البهيمي لملذات الدنيا، دونما اعتبار لما بعد هاته الحياة وما وراءها، وركن الإيمان بالقدر قد نُخر جرّاء نزاعات إنكار الذات الإلهية وقدرته على تسيير العباد والبلاد، وركن الإيمان بالرسل قد انهدّ من فرط الهجوم على الأنبياء ونعتهم بأقبح النعوت.

نحن لا نعيب النقد الموضوعي المبني على أسس تحترم في الأساس المشاعر الدينية للفرد المسلم، والأصول الدينية لهذا البلد المسلم، ثم بعد ذلك تحترم المعايير العلمية في النقاش والمجادلة ولا تحرمها، إذ الشريعة نفسها لم تخش يوما المناقشة العقلية القائمة على العلم، ولا أدلّ على ذلك من قوله تعالى “فَاعْلَمَ اَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا اَ۬للَّهُ” (الآية19 من سورة محمد) لكن أن يكون ذلك في حدود معينة تحول دون الخوض بلا تبصّر ولا هوادة في أصول الشرع، وتمنع من الاستخفاف الصريح بأحكامه القطعية المنافي تماما لآداب المحاججة كما يُرى الآن عيانا ضمن ما يعرف بموضة العلمنة.

إن تبنّي الفكر القائم على التشدّد في الدّين والمنتهي إلى التكفير، ليس بأقبح من تبنّي فكر مائع تلهو به رياح العلمنة أنّى شاءت وكيف شاءت، في مشروع أساسه تحويل الفرد متصالحا مع ذاته –بزعمهم-، يحيي حفلة نهاية السنة خمراً ومجوناً، ويحرص في الوقت ذاته على ألا ينام حتى يؤدي صلاة الفجر في جماعة، وتصييرُه ممتثلا لتعاليم دينه داخل المسجد، دون تعدّي ذلك الامتثال عتبة المسجد عندما يتعلق الأمر بالتعامل الأحادي للفرد داخل مجتمعه سياسة واقتصاداً، إلى غيرها من محاولات سلخ الهوية الدينية وطمسها، تحريفا لجوهر الدين وتزييفاً لِحقيقته، المتمثلة في كونه أسلوب حياة لا يخلو مجال من تنزيله، ولا ينفلت نطاق من تأطيره.

الأمر الذي ساهم في نشوء غالبية الجيل، جيلا ماديا متهافتا على أمور الدنيا، زاهدا في أمور الدين وكل ما يتعلق به، يضرب في أصوله من حيث لا يدري، وتارة من حيث يدري، ضمن أضحى يعرف بموجة الإلحاد، معتبراً إياه -عن تقليد-، مرحلة زمنية لم يبق من آثارها إلا “رجال دين يتخذونه مصدراً للاسترزاق، وشيوخ يتسابقون في عَرَجٍ على المساجد، وشباب مُعطّل للعقل، الإله الحق، منساق في عمىً حَول وهم الدين الذي تخِم الزمان من فرط خُرافته أكْلاً وشُرباً“، الأمر الذي يجرنا لطرح السؤال الذي طرحه جون لينكس من قبل، مفادُه.. “حافلة الملحدين الجدد إلى أين”؟.

تأسيساً على هذا كلّه، وكما حُفظ على الفرد -زعماً- أمنُ حقوقِه وصحّته وتعليمِه…
أفلا يستحقّ موازاة مع ذلك أمناً يحفَظ عليه مُعتقَده الذي يَدين به؟، والذي إن حُفظَ عليه، صلُحت بذلك سائر أموره من حقوق وصحّة وتعليم...

الأمن الدّيني