مجتمعي تفنن في تدميري

عن المشاكل الزوجية

نشأت في ظل مجتمع يدعي الحرية والانفتاح، في أسرة صغيرة ميسورة الحال، كنت أنا، جَفْرَا، ثمرة حب والدي الأولى، المدللة المشاكسة، أو هكذا أحببت أن أصدق. كانت العلاقة التي تجمع بين والدي معقدة بشكل غريب، لم أقدر على حل شفرتها لليوم. لأبدأ من البداية، اعتدت أن استيقظ كل صباح مفزوعة ويداي على أذناي، محاوَلة مني أن لا أسمع صراخ أبي العالي المستمر على أمي، لم يكن هناك عنف في بيتنا سوى أخذ ورد، شجار يومي وتوتر دائم كان في بيتنا الدافئ، اعتاد جسدي النحيل أن يرتجف في كل مرة أسمع فيها صوت أبي، صوتٌ مرتفعٌ خشنٌ يحمل بين نبراته الكثير من الغضب والقسوة ونوعاً من شعور الكراهية تجاه أمي، كانت تنتحب من تعاستها هي الأخيرة وكانت دموعي تنهمر كلما رأيتها على ذاك الحال فأبكي في صمت وكأني السبب في تعاستهما.

درست، تخرجت، أصبحت امرأة يافعة، حصلت على وظيفة ومازالت حالة والداي هي تلك: لما تزوجا يا ترى؟ لما يبغضان بعضهما البعض؟ كيف تجرآ على إنجاب اخوة لي تحت هذه الظروف الغير المستقرة التي يعيشانها؟ على مر السنين لم أجد ولو جوابا واحدا لكم الأسئلة التي كانت تدور في ذهني، ولم أقدر على تخطي ونسيان ما مضى. وها أنا ذا أجد نفسي في سن الثالثة والأربعين امرأة بالغة وناضجة، أرتعد خوفا كلما سمعت صوتا ذكوريا عاليا فما بالك حين يكون ذاك الصراخ موجها لي.

تزوجت فور تخرجي من الجامعة لأنني كنت امرأة في سن الخامسة والعشرين، عانس في نظر مجتمعي. كان زواجا سريعا، أصر والداي أن يكون سريعا، فقد كانا على وشك أن يفقدا رؤية قطار حياتي بوضوح، قيل لي بأننا سنتأقلم بسهولة ولا أهمية للحب الآن فسيولد مع الأيام، لم يولد… انتظرته كثيرا، لكنني لو أتوصل الا بشجارات فقط، قالوا اصبري فالزواج سراء وضراء، أين سرائي يا ترى؟ كنا على خلاف يوميا، كان صعب المراس، لا يعجبه شيء لا أكلي ولا طريقة ملبسي، لم يكن يحترم أفكاري واختياراتي، بل يخالفني الرأي دائما و يستهزئ بمشاعري دوما، حين كنت أحاول فتح باب للتواصل كان يغلقه على الفور، بدافع أن لأفكار المرأة حدود وبالتالي لا يجب أن تتدخل في كل الأمور، كنت شخصا غير واع كفاية لخوض حوارات وأنا الناقصة عقل في عينيه. عصبي، يثور غضبا بسرعة، كأبي تماما -اعتدت أن أرتجف كلما سمعت صوته العالي، فتنساب على ذاكرتي ما عشته مع والداي، الفزع الذي كان ينتابني حينها مازال ساكنا عقلي- ، كنت أستمع لتلك الأهازيج الصارخة في صمت، فقد قيل لي أن أخفض رأسي للأسفل احتراما لزوجي حين يصرخ، لم أقدر على التعود على ذاك الحال، بعد أن كنت امرأة طليقة حرة في بيت والداي، عانسا كنت؟ لا بأس في ذلك طالما كانت الكرامة ردائي والعز إزاري، لم أقدر على تمالك أعصابي ولا الاستسلام أكثر لذاك الوضع العسير، فصرت أواجه صراخه العالي بصوتي لأدافع عن نفسي البريئة من ذاك الاحتقار و الإذلال، فذقت العنف.. كنت أبكي ليلا بينما هو نائم مرتاح في فراشه.

ركضت فورا لحضن أمي، فواجهتها بحقيقتي المرة وبواقعي الأليم، حكيت لها معاناتي في بيت ذلك الوحش، لعلها تجد لي أملا أتشبث به، لعلي أجد في دفئ حضنها طوق نجاة قد ينجيني من الغرق في بحر الظلم ذاك. بعد كل ما سمعت، كان رد أمي صادما، كان الحل الوحيد المتوفر لي حينذاك هو أن أنجب طفلا، فهذا بدون شك سيعود زوجي على الاتزان والالتزام والطفل سيولد ذاك الحب المفقود بيننا لا محالة، ثم ان تدهور علاقتي الزوجية خطئي أنا فقط، لكوني تأخرت على الانجاب، فماذا أنتظر؟ يا للعار فجيران أمي لا ينفكوا يتساءلون عن السبب وراء تأخر حملي، فهل أنا عقيم يا ترى؟ “لا قدر الله، فحينها سيطلقك و ستتشردين يا ابنتي، لن تجدي منزلا يأويك، أو ربما سيتزوج زوجة ثانية تقطن بيتك وتشارك زوجك نفس الفراش -محاولة أن تثير غيرتي على زوجي- ليبعد الله هذا الشر عنك، اياك أن تفكري في الطلاق، انجبي طفلا وطفلين وثلاثة وحافظي على استقرار أسرتك، فغير ذلك سيجعلني وأباك تحت أعين الناس، العائلة والجيران، الفضيحة ستعيق حياتنا يا ابنتي، اصبري.” وماذا عني؟ ارتميت في حضنها بحثا عن دفئ وحنان مفقودين، فما وجدت إلا قلب أم بارد خائف من ما سيقوله الناس لا عن حياة فلذة كبدها الأولى.. وماذا عَنّي؟

عدت إلى البيت خائبة الأمل، خاوية الوفاض، أمضيتُ الليلة أنوح بصمت وأفكر مليا في العقبة التي تفصل بين سعادتي، بين حياة.. كيف سأقبل على الاستمرار والصبر على هذا الحال، فأظلم صغيرا معي؟ كيف سيعيش حياة سليمة تحت شجارات والديه المتواصلة؟ إلى متى سأعاني بصمت تحت رحمة هذا الكائن الذي يدعو نفسه رجلا خوفا من نظرة مجتمعي؟ كيف استطاع هذا الأخير أن يسيطر على حياتي وأن يتفنن في تدميري بهذا الشكل عوض أن يحميني؟ في تلك الليلة بالذات، اتخذت قراري، قرار الافراج عن روحي الحبيسة في سجن الزواج التعيس ذاك، في تلك الليلة بالذات أدركت أن سعادتي أولى، وأن لا زواج سيدوم تحت وطأة حذاء زوج أناني، غير مكترث بمشاعري، لا يحترمني ولا يقدرني، يكتفي بفرض سيطرته علي ولا يبذل أدنى مجهود نحو فهمي واحتوائي، بل يتحين كل الفرص للانقضاض علي للتنفيس عن غضبه، اهانات وكلمات قاسية وشجارات… إلى متى؟

نعم أنا اليوم مطلقة، ولا أري عيبا في ذلك، طالما أنا مرتاحة البال، طالما أنني أستمتع بكل لحظة في حياتي، طالما أنني لم أيأس ولم أستسلم لتلك النظرات التي ظلها لا يفارقني ولا تلك العراقيل التي تظن أن من شأنها أن تمنعني من تحقيق أحلامي، طالما أنا امرأة حرة مستقلة، طالما أني لا أرى عيبا في كوني امرأة مطلقة، فأنا سعيدة وكفى!

مجتمعي تفنن في تدميري

تعليق واحد

  1. ماشاء الله اسلوبك راقي وخالي من الركاكة يجعل القارئ يغوص معك في بحر خيالك الواسع إبداع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *