أنا الجريح أنا المنسي أنا الطفل البريء

“إليكم توقعات كوثر لطقس اليوم:

أجواء قاحلة ناضبة وارتفاع في درجات الحرارة بتوقيت غياب الطفولة وذبل المودة وفقر الضمير؛
أظن أني غبت عنكم كثيرا وغابت حروفي عن الوجدان وفواصلي عن الستار حتى صارت روحي هائمة بالوصال، لكني عُدت وللأسف محملة بمجموعة من الأحزان وتساؤلات أطفال مُهمَلين..

من أوراق القهر الممتدة على أرصفة الشوارع إلى كنف الجسور.. ومن قضبان الإنسان المجهول أم من نسخة الطفولة المهملة.. لو أدري من أين لتزيَّنْتُ قليلا.. واشتريت لوحدتي الكئيبة الحزينة منديلا.. وحملت لهم باقة ورد وزهر وحظ وحياة.. من أين يجيء هذا الصبر والعزم والقناعة.. وأنا أطعن في ظهري وفي سري وفي جهري.. يا ملف الأحباب وأرشيف الأحبة الغائبين والمنفيين عن العين.. ألا يرحم أحد هذا الطفل الصغير.. فأنا مزدحمة بالقصص المؤلمة والبلدان المغتربة.. هالكة بالكلام الجريح.. والقامات المطعونة بالغدر والإحتيال.. سافرت لأرتاح، وجدت معارك وأصوات متعالية من الخذلان والحرمان.. تعددت الأسماء والأجناس..

وجلست أراقب الطفولة الضائعة بكأس من زجاج منكسر الأضلاع والحواف.. عرفت الوجه الآخر للشارع والطفولة المشردة، وحزنت بحسرة من ألم على حال هؤلاء الأبرياء.. واشتد على قلبي الوجع.. أخذت بين ذراعي ريش طفل رضيع، وضعته في حضني لأكابد نار الهجرة إلى مستنقع الفقر والحرمان من كل الحقوق والواجبات.

ومن رؤية عذاباتي النهارية والليلية، ظلت عيني تراقب هذا القمر الشاحب.. ألاعب طير من جنة.. لكني يا منديل حبيبي.. ضيعت حروف الفرح والسر وأنا أسأل حالي لماذا؟ لماذا؟
فعفوك يا طفل البراءة
عفوك يا طفل الشارع
عفوك يا حياة على عدم العدالة والاتزان..
كنت كالظل أراقب الكل بسرية تامة، ألاحظ من بعيد حياة من قاست عليهم الظروف وصاروا عائلات للجسور وأرصفة الشوارع.. {{كنت كالسحاب كما دار بالسماء أتجه اتجاه الكشف والبحث عن الحقيقة؛ والقرب والرحمة من القلوب الهالكة من البؤس والفاقة.. ومن شدة الحسرة سالت دموعي وأنا بوصفهم متألمة عن حال كل منهم؛ طفولة منكوية الصخور.. مخطوفة اللون.. مسلوبة الدم.. مغلوبة العذاب.
فهل عرفتموني؟
هل تسألتم عن ظروفي وأحوالي؟ ولما أنا مشرد، ضائع، مهمل ومتخلى عني؟
أجيبوني أرجوكم!
ولا تحكموا علي بحكم النظرة المسبقة، لم أختار حياتي ولم أكون لأختار هذا التشرد، وجدت نفسي بلا مأوى ولا ملجأ يحميني ويقيني من شدة جو الصيف الحار وبرودة الشتاء القارس}}.
ذنبي أني ولدت في حياة غير عادلة ولا رحيمة، هناك من وجد نفسه على رصيف الشارع لا يعرف من هو، ولمن يعود اصله؟ وهناك من تركته الحياة مشرد بسبب الاهمال وعدم اهتمام الأهل. هكذا كان وصف بعض الأطفال يتكلمون بحرقة وقلوبهم تائهة مليئة بالأسئلة الكثيرة، مكتفين بالسكات والنظرات لبعضهم البعض، منتظرين قلوبا رحيمة تسد جوعهم ببضعة دراهم ليبحثوا عن مكان يأويهم ليلا، ليتما يأتي الصباح ويبدؤا بالبحث عن لقمة عيش من جديد. وهكذا هي حياتهم حيث أصبحت أجسادهم شبيهة بعجوز مسن، ملامحهم أكلتها التفكير وقسوة الحياة، متسألين كغيرهم هل سيأتي يوم ونكون يوما مثل أي طفل في المدرسة برفقة أهالينا أم سنظل غرباء الوطن، مسلوبي الحق والحياة؟
سؤال يكبر أعمارهم وآهات حسرة وأنين آلام تتآكل أجسادهم الصغيرة!
بالله عليكم بأي ذنب قتلت طفولتنا!!

نظرت إلى السماء بنظرة منكسرة وفوق رفوف قلبي حزن مقتول بأقبح عذابات الشقاء، داعية المولى الرحمة بهؤلاء الأبرياء.
وأخذت بلغة البشر أكتب هذا المقال لأذكر تلك الفئة التي تهاجم الناس حينما يتعلق الأمر بموضوع الزواج، فقد سبقت وكنت أعارض البعض عن فكرة الزواج نتيجة ما أراه من قصص مؤلمة تعاش في واقع يعج بضحايا أطفال مهملين متشردين، رفضي لم يكن مجرد توهم ولن يكون.

كل رفض يكون إلا ولأسباب، فحينما تود الزواج وتترك في نهاية المطاف ابنك على قارعة الطريق وحيداً يحارب الزمن وقسوته بغض النظر عن الظروف التي تعيشها فذلك جرم في حق الطفل والطفولة، فإذا كنت لا تملك صفة تحمل المسؤولية والقدرة على إعانة أبنائك وزوجتك، لا تتزوج ولا تضحك على نفسك بكلام من مجتمع يردد جملة “كل طفل ينجب رزقه مكتوب”، فهذه الجملة بضبط شردت ملايين الأطفال وقتلت مئات الرضع، ربما كان الزمن السابق رحيما بعض الشيء وبسيطا ولكن زمننا وحاضرنا أصبح قاسيا ومتطلباته غير محدودة.

تزوج حينما تكون مؤهلا لذلك وحينما تكون مستعدا لتضحية في سبيل أبنائك رجلا كنت أو إمرأة.

فالمجتمع لن يرحم أحد، حينما يجد طفل على قارعة الطريق يطلب يد العون، فكيف ستواجه نفسك يوم لقائك به؟ وكيف ستعيش بقية حياتك حينما قررت التخلي عن فلذة كبدك؟ أعلم جيدا أن هناك أسباب عديدة غير السابقة الذكر كالفساد وضحايا الاغتصاب والتعنيف الأسري والقائمة طويلة، ولذلك حاولت التركيز على فئة معينة من هؤلاء الضحايا وهم المتخلى عنهم والمشردين، كما أني أعلم أن كلامي سيكون جارحا لبعض الفئة وخاصة المقصودة، لذلك لست هنا الأواسي أحد وإنما هنا لأنقل وجع هؤلاء الأبرياء فقلبي حينما يرى صور هؤلاء ينكسر في لحظة ألف مرة، وفي كل نظرة استرقها لأرى مكامن أرواحهم أموت مئة مرة، وأظل أتساءل ما ذنب هؤلاء؟ ولما يتجرأ البعض على القدوم إلى المحكمة لطلب الزواج؟ وما الفائدة من وجود جمعيات وإنشاء منظمات مهتمة بحقوق الطفل خاصة والإنسان عامة إذا كان الواقع مازال يعاني وفي وتيرة متزايدة لهؤلاء الأبرياء، ولقد أحطت الاهتمام بهذه الفئة نظرا لأغفل المجتمع المدني عن ذكرهم ورعايتهم والاهتمام بهم، فأبسط ما يحتاجونه هؤلاء الأطفال الرحمة والحب واللطف بهم وليس الشفقة عليهم. (فقد ذكرني طفل ذكي جميل أني لا أحتاج لشفقة الناس ونقوذهم بقدر ما أحتاج للحب والاحترام).

درس تلقنته في ميدان تخصصي ودرس تركته لكم لتشاهدوا العالم بصورة أخرى، {فمازال هناك من يعاني بصمت قاتل، ومازال الكثير قيد رابط أمله بلقاء والديه، وما أقسى الإنتظار على نوافذ الزمن}.
أخشى أن يفوت الوقت للبعض ولا يسمح لهم التعبير عن خطئهم.


إنهم مجرد أبرياء مارسوا عليهم حربا فجعل منهم المجتمع عناوين للصحف والمجلات.》
وَدّعت الأطفال بدموع على أمل أن يجد كل طفل مبتغاه، وسأودعكم أيضا على ملتقى مشارف موضوع آخر.
وبغض النظر عن طقس يوم غد، فأنا لست قلِقة أبدا.”


أنا الجريح أنا المنسي أنا الطفل البريء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *