حوار المجانين

في تعريف فلسفة الغموض

النافذة مكسورة وخلفية المشهد توحي بوجود كارثة، دمار شامل، و كأن صقور النار غزت المكان، حاملة معها شهبا من أستراليا. وكل ما وراء النافذة ما هو إلا دخان تتسارع ذراته إلى النافذة وكأنها نافذة إغاثة يترامى عليها الجميع خوفا من الموت وطمَعاً في النجاة. يكاد الدخان لا يجعل أي شيء مرئيا، كالسّراب أو كالشراب، ذلك النوع من الشراب الذي يهدم الوعي هدما ويُقيم محله سيناريوهات مثيرة للدهشة. أما ما أمام النافذة فلا يثير الدهشة قدر ما يثير الضحك الهستيري.

أمام النافذة، هناك نافذة، هي الأخرى قديم لونها وفي حاشيتها دلالة على اللامبالاة والغربة. القليل من الصباغة الباهتة، عديمة اللون و اللون فيها و ستار يبدو و كأنه ستار مسرح كلاسيكي تلعب ولأول مرة على خشبته مسرحية من مسرحيات موليير أو شكسبير، يتلاعب به الريح ثم الرياح وكأن ليست له كتلة.

كلما ظهر شخص في النافذة الأولى، بدا له و كان شخصا في النافذة الثانية يراقبه، وكلما ظهر شخص في النافذة الثانية بدا له وكان شخصا في النافذة الأولى يراقبه. صرخ الأول قائلا:
– لم لا تكف عن هذه العادة السيئة؟
يجيب الثاني:
– إننا نتقاسم نفس العادة…
– لا أنت الذي تختفي كلما جئت النافذة..
– و كلما جئتها ذهبت…
– أنا لست رهينا بأحد، أجيء و أمشي كلما أذن لي عقلي بذلك…
– و أنا مثلك… أفعل ما أشاء…
– لم لا تسدل الستار و تتركنا من هذا الجدال؟
– أنت من يجب عليه أن يسدل الستار…
– لكن، أنت لديك نافذتين، حتى إنك لم تفتح الثانية يوما…
– أنت من يراقبني إذا…؟
– أنا لا أراقب أحدا، أنا لست بمراقب… أنا فقط أطل كلما شئت من النافذة الوحيدة التي أملك… و أرى أنك تتطاول على حريتي من خلالها، أليس لك عمل لتقول به؟ ألست مهندسا أو مديرا أو عاملا؟
– بلى، أنا مهندس و أنت؟
– و ما شأنك أنت؟
– و ما شأنك أنت؟
– أنا لم أسألك؟
– و أنا لم أجبك…
– بلى، لقد فعلت…
– لا، لقد كذبت عليك…

يسدل ستار النافذة الأولى، ثم يفتح بعد دقائق…
– أنت تكذب إذا…
– و أنت تكذب كذلك…
– أنا لم أقل أنك تكذب…
– بلى، لقد قلت ذلك..
– لم أقل…
– قلت….
– لم أقل، بل سألتك هل تكذب؟
– لقد قلت لك إنني لا اكذب… لم التكرار؟
– و ما أدراني إن كنت تكذب؟
– ما عليك إلا أن تزيد من حدة مراقبتك لي…
– لقد أخبرتك أنني لا أمتهن المراقبة…
– بلى، و كيف علمت بشأن النافذة الثانية؟
– إنها ظاهرة و أراها…
– أنا لا أراها…
– بلى، إنها في بيتك وأنت صاحب البيت..؟
– و ما أدراك أنت؟
– ربما لم أرى يوما إنسانا يسكن نافذة…
– حتى مراقبتك ضعيفة…

يسدل ستار النافذة الثانية، فيظل صاحب النافذة الأولى حائرا، مندهشا.
يقتح ستار النافذة الثانية:
– أنت لا تعرفني…
– وهل تعرفني أنت؟
– لم أقل إنني أعرفك…
– ومن أنت؟
– أنا كما ترى، أسكن بجوارك، أنا جارك إذا…
– ومنذ متى كان الجيران جيرانا بحكم النوافذ؟
– النوافذ نوافذ والأبواب أبواب…
– وكأنك تقول الأبيض أبيض والأسود أسود..؟
– ربما لم أكذب هذه المرة…
– ربما، لكنك تقول لا شيء…
– لا شيء هو كل شيء…
– كيف؟
– نحن نغترف من لا شيء لنكون الأشياء…
يسدل ستار النافذة الثانية بسخرية… و يظل صاحب النافذة الأولى حائرا، مندهشا… يفتح الستار:
– لم لا نتفق؟
– لم لا نتفق؟
– و من أنت؟
– أنا جارك و أنت؟
– أنا معلم تاريخ….
– حقا؟
– لا معلم جغرافيا…
– حقا؟
– لا معلم تاريخ؟
– أنت رجل أمن… لم لا تعترف؟
– أنت تجيد الشك…
– أنت لست معلما…
– بلى أنا معلم، لكن، ليس ككل المعلمين الذين يريدون أن يصيروا رسلا… دون جدوى…
– ماذا تقصد؟
– لا يهم….
– إن كنت معلم تاريخ، فذلك يشفع لك بمراقبتي…
– ربما، لكن، أنت لاشيء بالنسبة للعالم…
– و ما أدراك أنت؟
– أنت سجين تلك النافذة…
– النوافذ نوافذ و الأبواب أبواب…
– و كأنك تقول الخير خير و الشر شر…
– ربما لم أكذب هذه المرة أيضا…

يسدل ستار النافذتين في آن واحد، ثم يفتح الأول بعد دقائق…
– من أنت؟
– أنا شاعر و أنت؟
– أنا فيلسوف…
– و ما الفلسفة؟
– كل شيء… هي كل شيء في نسق و مجموع الأنساق بدءا من أي نقطة دون تحديد مسبق، هي الفلسفة…
– أنت غامض…
– أنت شاعر و إنني أعرف عن الشعراء الدهاء و الفهم و الحكمة…
– و أنا أعترف عن الفيلسوف الدقة و البداهة و الوضوح و العقلانية…
– و ما اللاعقلاني في ما قلته عن الفلسفة؟
– الغموض…
– و متى كان الغموض لا عقلانيا؟
– حين ينتج سوء التفاهم و من سوء التفاهم ينمو الجدل و تعم فوضى المفاهيم وتغزو كل شيء وتصبح الفلسفة- بسبب غموضها- غير قادرة على مد يد العون للأشياء، فتصبح الأشياء في مجموعها لا شيء، حين تكون وحدة غير محددة المكونات و العناصر…
– ماذا تقصد؟
– إن الفلسفة في غموضها جهل إذا….
– جهل إذا كف العقلاني ذي العقل، عن فك ألغاز الطبيعة ونتاج سوء التفاهم. وما سبب سوء التفاهم غير الجهل؟
– و ما سبب الجهل غيره هو عينه؟
– هو عينه فينا و المعرفة…
– ماذا تقصد؟
– إن الخير و الشر و العقل و الجنون و الوجود و العدم و الأبيض و الأسود فينا و لسنا بقادرين على الهروب من تداخلهم اللامشروط في تفكيرنا.
– لقد أشرفت على فهمك أيها المُتفلسِف… لكن، للأسف حان وقت خلودي إلى النوم الأبدي… وداعاً !

حوار المجانين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.