الحرب دواء لداء

أما السلم فهو دواء لألف داء

إذا كان التاريخ يعيد نفسه، فلماذا يعيد فقط الأشياء التي تحزن البشرية وتجعلها أسيرة الحروب والأزمات والنكبات؟ ألا يوجد في التاريخ أشياء جميلة تسعد البشرية وتحبب لها الحياة؟

ربما من خلال هذه الحركة الميكانيكية للتاريخ تتأكد يوم بعد يوم فرضية “الحياة شقاء”. ليس بهدف نشر الأفكار العدمية أو غرس الغم والبؤس في النفوس؛ على العكس غايتنا نبيلة وهي تجاوز ظاهر الأشياء والوصول إلى باطنها والسير على الطريق المؤدي إلى الحقيقة، أي حقيقة هذه؟ إنها حقيقة الحقيقة. فقط النفوس القوية والقناعات الفولاذية من ستدرك الأمر.

بالفعل فريدريك نيشته قد أصاب في جميع أفكاره وأقواله ومن أعظمها أن الناس لا يريدون سماع الحقيقة لأنهم لا يريدون تدمير أوهامهم. أي أن الأوهام بالنسبة للناس هي الحقيقة والأبشع من ذلك أن الشقاء هو السعادة الكاملة لابن آدم.

قد يقول البعض أن التاريخ يخلو من المسرات والذكريات السعيدة لذلك لا يذكر منها شيء، وآخرون ينسبون هذه المعضلة إلى كثرة المساوئ التي أهلكت الإنسان وما زالت تهلكه قد أنست الإنسانية ندرة أيامها العظيمة.
فاليوم كل الإشارات والعبارات تشير إلى أن التاريخ في طريقه إلى تكرار ذكرى مأساوية في سجل البشرية. فالغرب الذي يتباهى ويفتخر بعراقة حضارته ومجدها وتقدمها كما يظهر نفسه منقذا البشرية وقدوة يحتذى بها ونموذجا مثاليا في الحياة والازدهار هو نفسه عزرائيل الإنسانية. كل شعاراته زائفة وخير دليل على انحداره وتفضيله للغزو والنهب على السلم التعايش هو تعارك الغربيين فيما بينهم خلال العالميتين وكذلك مع من يختلف معهم فكريا ودينيا وحضاريا كالغزو الغربي لبلاد هارون الرشيد متجاهلين بذلك التطورات والتراكمات التاريخية من ثورات علمية صناعية ودينية، وعصر النهضة الذي عرفته أوربا خلال القرن السادس عشر، ولا ننسى أفضال فلاسفة الأنوار على الحضارة الغربية. اليوم وبدون شك أن الغرب يملك آلة تحكم في العالم تخول له إدارته كما يشاء.

على هذا النحو تبرز مفارقة يمكن ترجمتها بسؤال قد شغل بالي وبعثر أفكاري وهو كالاتي: هل يمكن لإنسان أو لحضارة ما أن يكونا مصدرا للخير والشر في آن واحد؟
حتى لا أنزلق وأصبح في صف أنصار المثالية، أقول بصريح العبارة أنه لامكان للأخلاق في العلاقات السياسية، فالأخلاق فخ يسقط فيه صاحبه، كلما ادعيت الأخلاق وتجسدت في تصرفاتك فإنها تجعلك فريسة سهلة الهضم لأعدائها الواقعيين.

في هذا الإطار السياسي والدبلوماسي، الإيطالي نيكولا ميكيافييلي يمقت وينفي أهمية الأخلاق في السياسة. فالسياسي الماهر هو من خلت أفعاله وسلوكه من مجال الأخلاق. لكن ما يجب التسطير عليه هو أنه في عالم الإيديولوجيا لا يوجد لا رفض ولا تبنٍّ مطلق إنما النسبية والاعتدالية.

كيف؟ الواقعيون لا يرفضون الأخلاق في الممارسة السياسية والعلاقات الدولية بشكل قطعي إنما لهم نظرتهم الخاصة لهذه القيمة حيث يخلص الزعيم الإيطالي في هذا الصدد بقوله أن الأخلاق هي أن تحقق الهدف وأن تصل إلى غايتك مستبعدا استحضارها في العملية التي تسبق الوصول إلى المراد.

الاشتراكية-والرأسمالية
الاشتراكية والرأسمالية

على ضوء النظرة الواقعية للأشياء والظواهر يمكن أن نتوصل إلى القاعدة التالية: كل النظريات والإيديولوجيات ترى الأشياء بشكل مستقل عنها. فالأشياء تمثل الثابت في حين المتغير هنا هو النظرة الخاصة والمختلفة لكل نظرية وإيديولوجية فكرية حيث كل منهما لا يرفض ولا يقبل بشيء معين لكن تريد تصميمه وتطبيقه حسب توجهاتها وإسقاط أفكارها على هذا المعطى. بمعنى أكثر إيضاحا، فالاشتراكية والرأسمالية كإيديولوجيتين متناحرتين ومتصارعتين تختلفان في التحليل والتفسير، أي لكل منهما نظرة تميزه للأشياء. فإذا كانت الرأسمالية تقوم على المنافسة وبشكل عام الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج فإن الاشتراكيين (لم أستعمل كلمة الشيوعيين لأنه لا توجد تجربة شيوعية تاريخية) لا يرفضون ملكية وسائل الإنتاج إنما رؤيتهم لهذا الشيء مختلفة تماما عن الكتلة الرأسمالية ويتجلى هذا الاختلاف في أن الاشتراكية تقوم على الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج.

بما أن القرن العشرين لم يخل من الصراعات والحروب وكذلك حال باقي القرون فإن القرن الواحد والعشرون لا يشكل استثناء لهذه القاعدة الكونية. من قال سلم علانية باطنه يقول حرب مهلكة ومن قال حربا في ظاهره إنما اتحد الظاهر والباطن فالأول حلو لكن لا يدوم وقد ينهار في أي لحظة أما الثاني الباطن فهو مر لأنه دليل على حقيقة الشيء ومصداقيته.

احتمال اندلاع الحرب العالمية الثالثة التي سيشعل فتيلها بلاد العم سام والمملكة الوسطى ليس بشيء مستحيل رغم أن كلا الجانبين يدري جيدا حساسية الوضع وأن خيار الحرب ليس في صالحهم، لذلك يحاول كل من الحاكم العجوز والشاب الذي يطمع لقيادة العالم إيجاد حلول أخرى مرضية للطرفين تجنبا للسقوط في فخ ثوسيديديس. في الوقت نفسه هناك من يتمنى اندلاع هذه الحرب ما يؤدي بنا للحديث عن شر وخير الحرب.

فالحرب شر عند البعض والأمم التي تتبنى هذا الموقف غالبا ما تكون قد عرفت تقدما ملحوظا في سياساتها ونظامها الداخلي أو أنها قد استقلت للتو قطار التنمية، لذلك لا تجد مبررا للحرب وترفضها هي وويلاتها لأن الحرب سرطان يدمر الحضارات وإنجازاتها. قد يتساءل البعض وأنا في مقدمتهم حول مسألة أن الحرب لا تؤذي إلا من يدور في فلكها ولا تؤثر إلا على من يخوضها. نحن أيضا كنا نفكر بهذا الشكل لكن عندما أمعنت النظر في العبارة “العالم عبارة عن قرية صغيرة” أدركت بالفعل أن ما يحدث في العاصمة واشنطن أو في جزيرة تايوان يصيب جدتي بشمال غرب المغرب، لذلك ما يتخذ من قرارات دولية له أثار على كل أجزاء العالم.
من جهة أخرى قد تكون الحرب خيرا لأمم وشعوب وجدت ضالتها في الأحمر وهنا نستحضر نسبية الخير والشر عن نيتشه. ما هو خير لك هو شر لي وحتى لو كان خير لنا معا فأكيد أنه شر لأجناس أخرى. أكثر إيضاحا، عندما تعلو أمم تسقط أخرى.

في لحظة تكون فيها أحوال أمة ما متدهورة وتعيش أزمات وفسادا وظلما وانتشارا لكل أشكال الاستغلال، فالحرب خير لهذه الأمة لأن تبني خيار الحرب أفضل من عيش حياة النصف أو الوسط كما يقول المقاوم العظيم أسد الريف عبد الكريم الخطابي رحمة الله عليه: “لا يوجد في الحرية حل وسط”، وكما يقول أيضا المناضل الفلسطيني غسان كنفاني: “عظماء فوق الأرض أو عظاما في جوفها”. سيكون من غير عدل وتقصير في حق شخصيات من معدن الخطابي وكنفاني أن نشكك فيما قالوه وما اقتنعوا به بالإضافة إلى ما قدموه في سبيل نيل الشعوب لحريتها.

الحرب ليست ضد التقدم والنهضة كما تفكرون، فازدهار أوروبا ونهضتها لم يأتي من فراغ؛ بئس الظن أن أوروبا كانت نائمة ذات ليلة وعندما استيقظت في الصباح وجدت النهضة تطرق بابها، على العكس تماما، أوروبا هي من طرقت هذا الباب، باب التحرر والاستقلال والوعي الحضاري ليس بالحليب والتمر وإنما بالحديد والنار وتقديم التضحيات والثأر في وجه الأنظمة الاستبدادية. كل هاته التراكمات التاريخية كان لها مفعول مباشر ومسؤول عن التسلق والقفزة النوعية التي عرفتها أوروبا.

لا نقدس أحدا، لكن نحترم الأمم التي تبني حضاراتها وتاريخها بنفسها دون اللجوء إلى القوى الأجنبية، تضحي بوقتها ومالها وأبنائها وحياتها من أجل بناء الأوطان وتحررها. لا أقول أنه يجب تقليد الغرب وإنما محاكاتهم.

الحرب تكون ذات فائدة ومكاسب عندما تكون خيارنا ومبادرتنا وبالأخص قرارا سياديا منا وإلينا بهدف الحصول على نتائج تغير حال الأمة، كالمناورة الافتتاحية في لعبة الشطرنج. لن تستفيد ولن نستفيد من اندلاع حرب عالمية ثالثة، لأننا لا نمثل هذه الحرب، إنما ستزيد من تعاستنا تعاسة وتأخرنا تأخرا ودمارنا دمارا وبالتالي استحالة استصعاب التغيير وإعادة البناء.

الحرب دواء لداء

يونس عبابو

طالب جامعي حاصل على الإجازة في القانون العام باللغة الفرنسية وحاليا أدرس ماستر الدراسات الدبلوماسية باللغة الفرنسية بجامعة محمد الخامس بالرباط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.